لا شيء في الأفق السياسي الرحب ينبئ باقتراب تشكيل الحكومة، وحدها المحادثات الرسمية والأخرى السرية تسيطر على المشهد، الذي ما دونه عقد تبشّر بعد انقضاء شهرٍ على التكليف أن طريق التشكيل غير ميسّرة.

يجمع معنيون في التشكيل ومن بينهم صنّاع العقد أنفسهم على ضرورة الإسراع في تشكيل الحكومة، ويضعون التحديات الاقتصادية في مقدمة قائمة الأسباب الموجبة لتأليفٍ سريع، لكن وعلى مبدأ المثل الشعبي القائل "أسمع كلامك أصدقك... أشوف أمورك أستعجب"، يتعاطى هؤلاء في ملف التشكيل، بينما يدخل الوضع الاقتصادي في المحظور كلما تأخر تشكيل الحكومة.

تداعيات اقتصادية خطيرة يتسبب بها تعثّر تشكيل الحكومة، ولتسليط الضوء عليها، يميز الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة بين ثلاث بيئات في علم الاقتصاد: الاقتصادية، والمالية، والنقدية.

يصف الاقتصادية بالسيئة جدا، فلا استثمارات، والمستثمرون الخليجيون غادروا لبنان في العام 2010 بعد إسقاط حكومة الرئيس المكلّف (حالياً) سعد الحريري، ولم يعودوا بالرغم من الوعود الكثيرة. كما أنه وبحسب أسعار سندات الخزينة التي تستدينها الدولة اللبنانية من الأسواق المالية العالمية، يبدو أن الأخيرة أولت أهمية لتشكيل الحكومة أكبر بكثير من الانتخابات النيابية. ويلاحظ أن الأسواق باتت تفضل منح سندات خزينة على 5 سنوات بدلاً من 10، لارتفاع الأولى وانخفاض عدد الثانية، على اعتبار أن سعر سندات الخزينة لمدة 5 سنوات لا يتأثر بالأحداث السياسية والأمنية على عكس سندات 10 سنوات.

ويلفت عجاقة إلى أن سعر السوق يعكس نظرة المستثمرين لسندات الخزينة، كلما ارتفع سعر السوق كلما كانت نظرة المستثمرين ايجابية والعكس صحيح. فالمستثمرون يرون أن المصارف اللبنانية قادرة أن تموّل عجز الدولة لمدة 5 سنوات لا 20 عاماً.

أما البيئة المالية وهي المتعلقة بمالية الدولة، وتشهد كوارث مع تأخير تشكيل الحكومة وتأخر البدء بمشاريع "سيدر1"، وبالتالي الحصول على قرض 11 مليار دولار. وبحسب تقدير عجاقة، يعني تأخير تشكيل الحكومة حتى شهر أيلول المقبل تراجع النمو الاقتصادي لهذا العام 0,25% أي ما يوازي 125 مليون دولار. 
وكلما تأخر تشكيل الحكومة كلما دخلت المالية العامة في أماكن محظورة يصعب استردادها بغياب النشاط الاقتصادي واستمرار الاستدانة من الاسواق العالمية ودفع فوائد عالية تزيد الدين العام.

ويشبّه عجاقة حال المالية العامة بالدخول في حلقة مفرغة، فتأخير تشكيل الحكومة يعني تردي التصنيف الائتماني الذي يرفع كلفة خدمة الدين العام التي وصلت إلى 5 مليار دولار أي ما يوازي 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي الإنفاق، والعجز، والدين العام الذي أصبح 82,3 مليار في آذار الماضي، أي زاد 3 مليار دولار في غضون ثلاثة أشهر بعدما كان نهاية العام الماضي 79,34 مليار دولار.

وهي الحلقة التي لا يمكن الخروج منها إلا بالنشاط الاقتصادي وزيادة الاستثمارات، التي لا يمكن أن تتحقق قبل الحصول على مليارات مؤتمر سيدر.

والبيئة النقدية هي تلك المتعلقة بمصرف لبنان والسياسة النقدية، ولا تزال تحافظ على استقرارها، وبحسب تقرير صندوق النقد الدولي في 21 حزيران الحالي، وصلت تهنئة مباشرة من صندوق النقد لمصرف لبنان على سياسته النقدية، التي استطاع عبرها خلق احتياط هائل من العملات الصعبة (69 مليار دولار)، وبالتالي الليرة اللبنانية لا خوف عليها.