كما كلّ «الكرة الأرضية»، كان لبنان أمس «يتحدّث» كرة قدم... فالحدَث العالمي الذي ينطلق اليوم من روسيا بمباراة افتتاحية بين البلد المضيف والسعودية استعدّت له «بلاد الأرز» وناسها وكأنّها «ممثَّلة» فيه عبر منتخباتٍ لطالما اختارها اللبنانيون «أوطاناً (كروية) بديلة» رَفَعوا أعلامها وهَتَفوا باسمها ويتحضّرون لدعمها أمام الشاشات، خلف الجدران أو في الساحات.
وفي موازاة استكمال التحضيرات اللوجستية لـ «طقوس» المونديال - العُرس في المطاعم وغيرها من الأماكن العامة وسط مواكبة أمنية «روتينية» لهذا «الكرنفال الكروي» الذي غالباً ما يجد اللبنانيون أنفسهم حياله في وضعيةٍ «اصطفافية» و«تَقابُلية» وانقسامية تعكس «قابليّتهم» الدائمة لـ«التمترْس» بين مع وضدّ حول كلّ شيء وأي شيء، فإن الأنظار في بيروت شخصتْ أمس الى أبعد من رصْد نتيجةِ المواجهة الافتتاحية على ملعب «لوجنيكي» وسط موسكو وكيفية إدارتها من حكَم أرجنيتي (نيستور بيتانا) «استحقّ» لقب «الجزّار».
ورغم الاستقطاب الجماهيري الذي ارْتَسَمَ على تخوم مباراة روسيا - السعودية واستَنَدَ إلى الواقع «الانشطاري»، السياسي، والعاطفي، والعفوي أو «عن سابق تصوُّر» في البلاد على ضفتيْ محوريْ الاعتدال العربي وداعميه في المجتمع الدولي و«الممانعة» الذي تقف موسكو في صفّه، فإن عامل جذْب آخر لا يقلّ أهميةَ بَرَز وتمثّل في رصْد ما يشهده «الملعب الخلفي» الديبلوماسي من لقاءات ذات مغزى تطلّ على مجمل «البازل» المعقّد في المنطقة التي تبدو كأنها أمام مرحلة «إعادة تركيبٍ» وترتيب على وهج الأزمات المتفجّرة والتحوّلات التي تشهدها.
وأعطتْ مشاركة الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة في لبنان سعد الحريري في افتتاح المونديال أهمية مضاعفة لـ «الجانب السياسي» من هذه التظاهرة الكروية «العالمية»، لا سيما أن زعيم «تيار المستقبل» التقى بعد ظهر أمس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبحث معه في أوضاع المنطقة ولبنان المأخوذ بملف تأليف الحكومة الجديدة والذي ما زال في مرحلة «التحمية» و«الأدوار التمهيدية»، ارتكازاً على التصوّر المكتوب الذي رفعه الحريري الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يوم الاثنين الماضي، وأطلق معه مساراً نحو «الهدف» الذي يريده بحكومةٍ تُوازِن بين «المكوّنات» المحلية للواقع اللبناني وامتداداته الخارجية التي لا يمكن القفز فوقها.
واتجّهت الأنظار أيضاً الى اللقاءات الأخرى التي يمكن ان يعقدها الحريري في موسكو التي كان وصل إليها منتصف ليل الثلاثاء - الأربعاء حيث شارَك في استقباله «الذئب الهداف» الذي يمثل شعار المونديال والذي أخَذ الرئيس المكلّف «في الأحضان»، وسط توقعات بحصول اجتماعٍ مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الذي سيكون الى جانب عدد من رؤساء الدول والحكومات المدعوين الى حفل الافتتاح، علماً أن تقارير لم تستبعد ان يعود زعيم «المستقبل» وولي العهد السعودي معاً الى الرياض حيث سيمضي الأول فترة العيد مع عائلته. 
وفي «الوقت الضائع» الفاصل عن مرحلة ما بعد العيد التي يفترض ان تشهد تزخيماً لمسار التأليف ارتكازاً على المسودّة المكتوبة التي وضعها الحريري وعلى قاعدة السعي الى تدوير زوايا العقد القائمة في ما خص التمثيل المسيحي والدرزي والسني (شقه المتصل بالنواب خارج عباءة الحريري) والتي تُساِبق دخول عوامل خارجية تُخْرج التعقيدات من «حقلها» اللبناني على ما عبّر عنه «تباهي» قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني بـ «النصر الانتخابي» لـ «حزب الله» الذي «جيّر» له 74 نائباً من أصل 128 (بمن فيهم التكتل المحسوب على رئيس الجمهورية)، فإن الأزمة مع مفوضية اللاجئين حيال ملف النازحين السوريين والتي اتخذت منحى تصعيدياً مع قرار الخارجية اللبنانية تجميد طلبات الإقامة لموظفي المفوضية وربْط الافراج عنها بتقديمها رؤية منظّمة عن كيفية العودة الآمنة لهم تبدو وكأنها تتجه الى الاحتواء رغم مظاهر التشدّد من الوزير جبران باسيل.
فغداة دخول الحريري على خط معالجة هذه الأزمة، بعدما كان أبدى امتعاضاً من السلوك «الأحادي» لباسيل حيال مفوضية اللاجئين، وذلك من خلال استقباله يوم الثلاثاء المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في لبنان فيليب لازاريني، وممثلة مكتب المفوضية ميراي جيرار، أطل وزير الخارجية أمس من بلدة عرسال الحدودية مع سورية معلناً انه سيزور اليوم جنيف للقاء مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي لشرح «السياسة التي نريدها ومطبات عدم تنفيذ هذه السياسة واننا لا نريد مشكلة مع الامم المتحدة ولا اي منظمة تابعة لها ولا اي دولة في موضوعٍ سيادي لبناني فنحن نرسم سياستنا وعليهم ان يحترموها».
وجاء موقف باسيل بعد تفقُّده عدداً من مخيمات النازحين في عرسال التي كانت عودة نحو 3500 من النازحين فيها الى القلمون فجّرت الأزمة مع مفوضية اللاجئين التي اتُّهمت من «الخارجية» بأنها تعمل على «تخويف» النازحين من العودة، وهو ما نفتْه المفوضية داعية الى «إعادة النظر سريعاً بقرار وزير الخارجية» ومؤكدة أهمية العمل الوثيق مع لبنان من أجل التوصل الى حلول آمنة ولائقة ومستدامة لأزمة النزوح. علماً أن عدداً من السفراء الأجانب زاروا مقر المفوضية في بيروت في ما بدا تضامناً معها وعدم رضى على الإجراءات بحقّها.
وكان لافتاً في جولة باسيل في عرسال انها حصلت بمشاركة النائب بكر الحجيري (من كتلة الحريري) في تطور اعتُبر إشارة الى وحدة الموقف اللبناني تحت سقف المعالجة التي رَسَم إطارها رئيس الحكومة بما لا يضرّ بعلاقة لبنان مع المجتمع الدولي ولا يفتح الباب أمام مشكلة داخلية قد تتحوّل «جاذبة أزمات».
وأكد وزير الخارجية وجود «نزاع» مع المجتمع الدولي «فنحن نريد تسريع العودة الآمنة والكريمة»، مضيفاً «نحن نقول ان العودة ليست قسرية بل تتوافر ظروفها وهي متدرّجة فيما هم (المفوضية) لا يسمحون لنا بأن تحصل أول مرحلة». واعتبر أن «إرادة اللبنانيين والسوريين كافية لتتأمن العودة، وأول 3 آلاف يعودون سترون كم من الآلاف يمكنهم ان يلحقوا بهم»، مضيفاً: «لا عودة عن العودة، وكفى... نحن لا نعمل (لا نُطبّق) مصلحة الدول بل مصلحة لبنان».