"أحمد الله لأنني عانيت كل التجارب والنكسات المتعاقبة، ولا يزال عودي صلبا، أي جلد سميك يغطي ويحمي هذا الجسد، إن بعض علماء النفس يقولون بأن الجيل الواحد لا يحتمل أكثر من هزيمة واحدة، وها أنذا أعد نفسي للهزيمة السادسة أو السابعة، الهزيمة أم النصر.. وما الفرق لنا؟ إن ذلك مهم جدا للتجار والرياضيين ومحترفي السياسة، أما بالنسبة لنا فالمهم هو أداؤنا لرسالة الله وقيامنا بواجبنا تحت كل الظروف وفي مواجهة كل الاحتمالات، فإذا انتصرنا نرجو من الله أن يقينا شر الغرور ونزعة الظلم واضطهاد الآخرين، وإذا هزمنا نرجو من الله أن يقينا من الذل والهوان والخضوع"
 

كان هذا آخر ما كتبه الدكتور علي شريعتي لابنه إحسان قبل موته بأيام، كأنما يواسي من سيعاني رحيله، ومن تعلم أسس الثورة والرفض على يديه، ومن ألهمته أفكاره عن الحرية التي كفلها الإسلام إلى المطالبة بهذه الحرية، بل والموت في سبيلها، وإلى مريديه الذين انهالوا عليه من كل حدب وصوب حتى لقي بعضهم ما لاقاه أستاذهم من سجن وظلم وتنكيل(١)، فشاطروا معلمهم محنته كما شاطرهم أفكاره وآماله فيما سبق، ودفعوا ضريبة محبتهم له، بعد أن دفع هو هذه الضريبة أولا.

 

كان شريعتي قد اُغتيل بعد كتابة هذه الرسالة بفترة وجيزة، ولكن أفكاره استمرت في التبلور والانتشار حتى أشعلت لهيب الثورة في حطب الجمود والتقليد والاستبداد المتجذر في المجتمع الإيراني(٢)، فلم يشهد علي شريعتي انتصار أفكاره ليصدح بدعوته أن يقيه الله شر الغرور ونزعة الظلم، بل انتصرت الثورة المستقاة من أفكاره بعد موته بعامين، ولم يكتب له سوى دعوته أن يقيه الله الذل والهوان، وقد استجيبت دعوته فلم تنحنِ بالذل هامته حتى لحظة الاغتيال.

تزامنت فتوة علي شريعتي وسطوع نجمه في الستينيات مع تحولات مهمة في الشأن السياسي الإيراني، حيث بدأ الشاه عهده بالانفتاح السياسي، وهو ما أدى إلى تعميق تبعية إيران وتغريب اقتصادها وتوسيع الاستثمارات الأجنبية وتضخيم مؤسسة الجيش وتوثيق رباطها بالولايات المتحدة(3)، مما كان له عظيم الأثر على الحياة الاجتماعية للمجتمع الإيراني، وأثر على معاش الناس وحياتهم، فكان النضال في مواجهة التبعية أمرا حتميا لا فرار منه.

 

كانت الجبهة الوطنية على رأس الفصائل المعارضة لحكم الشاه حتى سقطت أطروحة الجبهة الوطنية ومفادها: "نعم للإصلاحات، لا للاستبداد"، وشهدت الجبهة تراجعا في دورها ومصداقيتها لدى الشعب، وتزايدت معها رغبة الشاه في إضعاف موقف الإسلام ومسخه وتشويهه من أجل تمهيد الطريق لما عقد العزم عليه بشأن تغريب إيران، وعلى الجهة الأخرى نابت عن الجبهة الوطنية حركات مناهضة تمسكت بالإسلام عنوانا للأصالة وسياجا يحمي الاستقلالية(4).

 

أُنهي النضال العلني للحركات الإسلامية المناهضة لحكم الشاه وسياسته بمذبحة بشعة ارتكبها نظام الشاه في الخامس من يونيو/حزيران عام ١٩٦٣، واستخدم فيها كافة وسائل القتل والتنكيل، وانتهت بإبعاد الخميني من البلاد.

 

حينها، كانت المؤسسة الدينية منقسمة إلى اتجاهين، يقود أحدهما الخميني الداعي إلى تثوير المؤسسة الدينية واستمرار نضالها المناهض للاستعمار، وكان يدعو إلى الإيمان بالإسلام باعتباره رسالة وثورة دائمتين. على الجانب الآخر، كان هناك اتجاه يقوده بعض الفقهاء، والذي يدعو إلى حفظ المؤسسة الدينية وصونها من التورط في النزاعات الدنيوية والصراعات السياسية(5).

 

كاد الاتجاه الأول أن يندثر بعد نفي الخميني واعتقال قادته لولا تسلم شريعتي زمام القيادة، ليعلن مرحلة جديدة من النضال تتمثل في التعبئة والتنظيم والتحريض(6)، فشريعتي الذي بدأ نضاله السياسي عضوا بحركة المقاومة الوطنية ثم مؤسسا لفرع حركة تحرر إيران بباريس، كان هو من سينفخ الروح في الحركة من جديد، ليكون معلم الثورة الأول.

وُلد علي محمد تقي شريعتي لوالد كاتب ومناضل ومهتم بتنقية المذهب الشيعي مما لحق به من خرافات، وشارك شريعتي والده في إنشاء مدرسة "حسينية الإرشاد" التي كانت منبر شريعتي الذي صدح منه بأفكاره وآرائه وسعيه إلى تثوير الشباب الذين حضروا محاضراته بالآلاف، وسُجّلت محاضراته وتناقلها طلابه إلى حد جعل السلطات تخشى من شهرته المتنامية لتغلق الحسينية وتعتقله ووالده تمهيدا لحرمانه من العمل العلني كله(7).


لكن شريعتي الذي تربى في المدارس التقليدية قد فاق نهج سابقيه، فقد استغل دراسته للفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع وعلم الأديان في فرنسا، واحتكاكه بحركات التحرر العالمية عامة والجزائرية بشكل خاص، في نسج نظريته الخاصة المتكاملة ووجهة نظره الشاملة في الدين والسياسة. فجعل همه الشاغل متمثلا في تنقية الإسلام مما علق به من تاريخ الظلم والاستبداد، والسعي للرجوع بالإسلام إلى أصله كثورة اجتماعية(8).

 

وكما يرى جميل قاسم فإن "شريعتي كان يريد من العودة إلى أصالة الإسلام بناء منظومة أيديولوجية وفكرية كاملة تشق طريقها كأيديولوجيا ثالثة بين الأيديولوجيتين الماركسية والبرجوازية (الليبرالية)، لكنه كان يائسا تماما من المؤسسة الدينية القائمة، لذا استهدف بناء شيء جديد تماما، شيء ينهض من وسط الشعب وبأيدي جيل الشباب أنفسهم".

 

يبني شريعتي أفكاره على مبدأ استخلاف الله للناس، وأن الناس لا بد وأن يمتلكوا إرادتهم لتحقيق مراد الله المتمثل في إحقاق الحق وتحقيق العدل، حتى إنه يذهب في أحد كتاباته إلى "أن الله وهو يروي لنا قصص الأنبياء، فإنه يقسم المجتمعات التي حدثت فيها ثورات الأنبياء إلى طبقات حاكمة ومستغلة من جهة، والناس من جهة أخرى. أما الله فهو يصطف دائما مع الناس في هذا الصراع".

 

ويرى شريعتي أن جوهر التوحيد الإسلامي هو التحرر من الخضوع للآلهة المتعددة، بما فيها الرموز والقادة، وكذلك التحرر ممن يدعي تمثيل الله والتسلط على رقاب عباده، فهو يرى أن التوحيد يكفل للموحد حريته، فعلاقته المباشرة مع الله تمكنه من الدفاع عن حريته وامتلاك إرادته(9)، وبذلك جعل شريعتي أفكاره في مواجهة أفكار المؤسسة الدينية، ليصبح الصدام بذلك حتميا بينهما.

 

فقد هدفت المؤسسة الدينية إلى تطويع الدين وإخضاعه للسلطة السياسية، وإلغاء فكرة الثورة على الحاكم من مبادئ المذهب الشيعي، وإضعاف الشعور بالانتماء إلى الإسلام والأمة الإسلامية، وذلك بسبب معاداة حكم الشاه للدولة العثمانية، ورغم أن شريعتي لم يناطح الدين ولم يستعن ببديل خارجي عنه، فإن كل ما طمح إليه هو إخراج الدين من الكهف الانعزالي وإعادته شريكا فعالا في الحياة والكفاح الاجتماعي. لكنه لم ينج من فك المؤسسة الدينية التي بدأت في تشويه سمعته ورميه بتهم الزندقة والكفر وإشاعة الفتنة(10). 

يطرح شريعتي التحرر من الهيمنة الأجنبية على نطاق أوسع، نطاق لا ينحصر في الهيمنة السياسية أو الاقتصادية، بل يتسع إطارها ليشمل الهيمنة الحضارية قبل أي شيء، فالهيمنة السياسية والاقتصادية فرضت الهيمنة الحضارية بالعنف، فصارت تروج لثقافتها التي تكتسح ثقافة غيرها، وأصبحت الدول المُستعمَرة ليست سوى سوق كبيرة لسلع الدول المستعمِرة(11)، ويبحر شريعتي في تجذر هذه الظاهرة عبر التاريخ، فدوما ما استعانت السلطة السياسية (فرعون وهامان) بالسلطة الاقتصادية (قارون) تحت غطاء ومباركة من السلطة الدينية لبسط نفوذها على الشعوب التي تبسط نفوذها عليها.

 

وتولد مصطلح "الاستحمار" من تسخير الطبقات الحاكمة للمستضعفين ليعملوا لديها كالحمير، ويؤكد شريعتي أن ظاهرة الاستحمار لم تتوقف منذ ذلك الزمن، بل ظلت شرع المستبد، سواء كان مستعمرا أو حاكما محليا، ويعود شريعتي لرواية الحكاية من بدايتها، حيث يقصّها منذ زمن الإسكندر ومحاولات الغرب المستمرة في السيطرة على الشرق.

 

ولما لم تفلح هذه المحاولات، بدأ الاستعمار في هدم البيت من الداخل، فبعد أن كانت وسيلته الحرب، أصبحت وسيلته أن نحتقر أنفسنا ونستهين بتاريخنا وتراثنا كي نذوب في حضارته وقيمه وثقافته، ويرى أن علوم الغرب الإنسانية ما هي إلا وسائله الحديثة للتجهيل، حيث يتحول الإنسان إلى بضاعة حينا، وأداة استهلاك حينا، وآلة في المجتمع الرأسمالي حينا آخر(12)، وهو ما يسميه شريعتي بالاستحمار الجديد.

 

يستعرض شريعتي ما يراه متناقضا بين ادعاء أوروبا للتحرر وحماية حقوق الإنسان، وبين ارتكابها المجازر خارج بلدانها، ويضرب المثل بفرنسا التي تمثل عاصمتها مركز الفنون والآداب لكنها لا تتورع عن ارتكاب المجازر على أرض الجزائر، ولا تنحصر هذه المواقف في الحكومات، بل تشمل المفكرين كذلك، فيقول إنه لا يغفر لثوريين كماركس وبرودون أن يستعبد الشرق بتلك الوحشية والهمجية دون أن يطرف لهم جفن(13).

 

ويذهب شريعتي إلى أننا لسنا بحاجة إلى استيراد قيم الغرب في الثورة وطلب الحقوق والحريات، فتاريخنا حافل بالنماذج التي نستطيع أن نكتفي بها كرموز من واقعنا عاشت ظروفا مشابهة في مجتمعات تشبه مجتمعاتنا(14)، فيتمسك بسيرة أبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وعلي بن أبي طالب والحسين وفاطمة بدلا من ماركس وسارتر وهيجل ونيتشه.

 

وينتقد علي شريعتي الاتجاه القائل إننا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما التغريب والانصهار في حضارة الآخر، وإما العودة إلى الماضي دون مراجعته ونقده وتمحيصه، والرجوع إليه بكل ما حمل من مساوئ، وخلافا للنقيضين، فإنه يطرح طريقا ثالثا، وهو العودة إلى الروح الإسلامية الأولى الخالصة المتجردة مما علق بها، فيناجي ربه قائلا:

 

"إلهي لا تجعلني مضطرا إلى الترجمة والتقليد، إنني أريد أن أحطم القوالب القديمة التي ورثتها لأستطيع الصمود في وجه قوالب الغرب، وليخرس هؤلاء وأولئك، فأنا وحدي أريد أن أتكلم".

الإسلام هو المنقذ للعالم، وعلى هذا يرتكز شريعتي في سعيه لتحقيق إسلام عالمي، لا فرق في اسمه إن كان خلافة أم إمامة، ولا يرى بين المنهجين فرقا يذكر إذا ما نُقح المذهب الشيعي من الأثر الصفوي الذي عمد إلى تشويهه، ويمهد شريعتي ويدعو إلى الإسلام الذي لا يتبناه مذهب أو فصيل مُقصيا به الآخر، بل نحو إسلام يسع الجميع(15).

 

أما التفرقة بين الإمامة والخلافة كمنهجين متعارضين فإن شريعتي يبطلهما، فهو يرى أن كليهما مرادف للآخر بقوله: "إن الفصل بين الإمامة والخلافة هو انعكاس للفكر الغربي الانتقائي الحديث، ففي الإسلام لا فصل بين الدين والسياسة، بين الدنيا والآخرة، لذلك فالإمامة هي أداء الرسالة الاجتماعية للنبي الرامية إلى تكوين الأمة".

ويُرجع ما نعانيه من توحش الرأسمالية التي عمت العالم بالعنف والقهر إلى هزيمة جيش الدولة العثمانية أمام جيوش أوروبا، وأنه لولا هذه الهزيمة المصيرية لنجا العالم من الفك الرأسمالي القابض عليه، ولولا تخلي الصفويين عن مساندة الدولة العثمانية لبقيت رمز وحدة المسلمين رغم ما عانته من ضعف وفساد قابل للإصلاح في أواخر عهدها(16).

 

وينادي علي شريعتي بما يسميه الثورة الإسلامية الأصيلة التي تتلخص في شعارين هما: قيادة اجتماعية، وعدالة طبقية، ويرى أن المدلول اللفظي لكلمة "أمة" إذا فُهمت في إطارها الصحيح فإنها تزيل عن الأفهام التباس الفهم، فيرى أن لفظ الأمة يتضمن الاشتراك في الهدف والقبلة والسير باتجاه هذه القبلة ووجوب الهداية والقيادة المشتركة، وهو لفظ ذو معنى أوسع من القبيلة أو الطائفة(17).

 

أما عن مفهوم الإسلام لدى شريعتي، فإنه يعد أيديولوجيا تهدف إلى بناء الإنسان الراقي، وبناء مجتمع متوازن يقدم للمجتمعات الأخرى مثلا يحتذى به، وهو أيضا ثورة اجتماعية تهدف إلى بناء مجتمع حر لا طبقي أساسه القسط والعدل، يحفل بالأشخاص الواعين الأحرار المتحملين لمسؤولية كونهم منتمين إلى أمتهم(18).

 

وإنسان هذا المجتمع عند علي شريعتي إنسان جل هدفه هو الاندماج في الجماعة دون أن يذوب أو ينصهر فيها، وهو إنسان جماعي واجتماعي بالفطرة، فهو مسلم ثوري لا تخمد شعلة ثورته، لكنه مسؤول يعرف كيف يوظف ثورته ويستخدم حقه في الشد على أيدي من يظلمه أو يحاول ظلمه أو سلبه حقه(19).

وبذلك، ساهمت الأفكار التي أسس لها شريعتي في تشكيل الروح الثورية التي عبّرت عن ذاتها لاحقا في الثورة الإيرانية، وسواء اتفق القارئ أو اختلف مع مآلات الثورة الإيرانية، فإن الروح التي أشعل علي شريعتي فتيلها تجعلنا نقف أمام أحد المفكرين العظماء، الذي ساهمت أفكاره في إعادة تشكيل الواقع وتحريك مياهه الراكدة، محاولين رصد أبرز ملامح فكره، ومسلطين الضوء على أبرز محطات حياته في مسيرة الصراع التي خاضها في مواجهة استبداد لا يختلف كثيرا عن ذلك الرابض على قلب كثير من الأوطان العربية.

 

ختاما، تتشابه أفكار شريعتي مع أفكار غيره من المفكرين داخل إيران وخارجها، لكن ما ميز شريعتي عن غيره وأكسبه مكانته المرموقة أنه لم يجعل أفكاره حبيسة الكتب، بل صدح بها لآلاف الطلبة، ونقل علمه باحتكاك مجتمعي مباشر، وهو ما ضمن حياة أفكاره، واستخدامها، ونقلها من حيز التجريد إلى ساحة الممارسة، أفكار شريعتي حفظتها صدور طلابه لا أوراق كتبه، وبعد كل ما عاناه فقد انتصر ميتا وانهزم من عاداه، ولعل أكثر ما جسد مسيرة المفكر علي شريعتي وأفكاره كتاب فاضل رسول "هكذا تكلم علي شريعتي".