تحل الانتخابات النيابية اللبنانية بعد غد الأحد وسط تعبئة سياسية وإعلامية استخدمت فيها كل الأسلحة التي تتيحها استعمالات اللغة العربية والأفكار الشيطانية في تبادل الاتهامات والتشهير بين المتنافسين والخصوم، فضلاً عن وسائل الضغط النفسي والمعنوي على جمهور الناخبين، والتدخلات ممن هم في مواقع مؤثرة في السلطة، فضلاً عن المال الانتخابي. هناك مرشحون دخلوا اللوائح فقط لقدرتهم على تمويلها ورشوة الناس في المناطق الفقيرة وحيث تعتبر شريحة أنها فرصة للارتزاق.

لم يبق فريق إلا واستعطف الجمهور بعبارات من نوع «محاولات عزلنا» و «السعي لإلغائنا» و «العمل على محاصرتنا» و «مصادرة قرارنا» و «إفشال شطبنا» و «تحرير مقاعدنا المسروقة» و «الرد على استفرادنا» و «حماية العهد القوي» و «نرفض الذوبان في القوى الأخرى»... حتى يخال المرء أن هناك قوة خفية تعمل على إخفاء الجميع من الوجود، فالجميع اتهم الجميع بالسعي إلى اقتلاعه، وفي الوقت ذاته مارس معظم الأطراف التكاذب اللبناني حول «العيش المشترك» و «الانفتاح» بين الطوائف والمكونات تحت عنوان أن هذا البلد لا يمكن فريقاً أن يحكمه لوحده. ذهب الفرقاء بعيداً في استنهاض ناسهم وطوائفهم، بشعارات متناقضة، على رغم صحة الانطباع بأن قوى نافذة حالية تسعى إلى شطب قوى أخرى من المعادلة متسلحة بأدوات السلطة. وهذا زاد عطف الناس عليها تلقائياً.

يتساوى الاستعطاف هذا مع تبني القوى كافة شعار محاربة الفساد، وكأن هذه الآفة تأتي من خارج الطبقة الحاكمة، بل أن الأكثر فساداً فيها هم الذين يعيرون الآخرين فيها.

أسباب المغالاة في استعطاف الناس هي خوف الكثير من القوى السياسية، بمن فيها التي كانت من أكثر المتحمسين للقانون الجديد القائم للمرة الأولى على النسبية، وعلى الصوت التفضيلي الواحد في اللائحة، من أن يخذلها ناخبوها التقليديون القرفون من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها لبنان منذ 9 سنوات جدَّد خلالها النواب لأنفسهم مرتين، والذي جعل الطبقتين الوسطى والفقيرة تغرقان أكثر في العوز جراء تعطيل الحياة السياسية والمؤسسات، فمفاعيل هذا القانون مجهولة قياساً إلى النظام الأكثري.

لكن الانتخابات اللبنانية التي تسبق الانتخابات التشريعية في العراق بأسبوع، بالتزامن مع الأحداث المنتظرة خلال شهر أيار (مايو) الجاري، كانت أيضاً مادة لربط الاستحقاق اللبناني بالوضع الإقليمي في شكل لا يخلو من المغالاة، فبعض التحليلات اعتبرها محطة توجب على القوى الدولية والإقليمية أخذها في الحساب من أجل الحؤول دون الحرب التي يلوّح بها الإسرائيليون والإيرانيون هذه الأيام، أو من أجل تأخيرها، على خلفية الصراع على سورية وعلى إبقاء أو إلغاء أو تعديل الاتفاق النووي مع طهران.

قد يكون محللون غربيون محقين في الإضاءة على ما يوليه المجتمع الدولي من أهمية للاستحقاق النيابي اللبناني، من زاوية الحرص على تجديد السلطة وتداولها، لضمان استقرار المؤسسات كي تتمكن من التعامل مع أزمة النازحين السوريين التي باتت أزمة عالمية، ومن زاوية التأكد من أن إيران لن تحكم سيطرتها على القرار السياسي الداخلي عبر «حزب الله» وحلفائه، في سياق الجهود الدولية والعربية من أجل الحد من تمدد نفوذها الإقليمي، وهو ما لم يغب عن لغة فريقين رئيسين في التنافس الانتخابي اللبناني، مثل قول الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله إن «حماية سلاح المقاومة توفرها حماية سياسية، والحماية توفرها أصواتكم»، وتبرعه، خلال مهرجان انتخابي، بالإعلان نيابة عن طهران بأنها سترد على قصف مخازنها وطائراتها المسيرة في مطار «تي فور» في سورية. كذلك توصيف زعيم «تيار المستقبل» رئيس الحكومة سعد الحريري ربط الاستحقاق في إطار جولاته بالمنطقة بقوله: «الأربع سنوات المقبلة هي سنوات تاريخية للمنطقة وللبنان ولبيروت».

إلا أن ربط الانتخابات بحديث الحرب مغالاة أخرى، إضافة إلى تلك الحملات الهادفة إلى استعطاف الجمهور وشد عصبه الطائفي والمناطقي، فالحرب التي يكتب عنها وتتناقض التوقعات في شأنها تتعدى أهمية الرقعة اللبنانية الصغيرة، طالما أنها بالواسطة بين الدولتين الكبريين أميركا وروسيا. وطالما أنها تأخذ منحى استثنائياً في المبارزة بين الأسلحة «الذكية» على الجسد السوري الممزق، ومصانع الآلات التدميرية (على شاكلة القصف «المجهول» للقواعد الإيرانية في ريفَي حلب وحماة الأحد الماضي، الذي خلف قتلى للحرس الثوري أكثر بكثير مما أعلن)، وطالما أنها تشمل الحرب الإلكترونية الجهنمية.

اختلط «النووي» بالتضخيم المحلي في أحيان كثيرة في الحملات الانتخابية. فهل يعقل أن يوحي نصرالله بأن معركة بعلبك- الهرمل قد تحدد مصير المنطقة مثلاً؟

هذا لا يمنع القول إن ما بعد الانتخابات سيتأثر حكما بأدبياتها على صعيد التحالفات.