15 ألفا عدد القطع الأثرية المسروقة والمهربة إلى الخارج و4 آلاف قطعة أثرية تحمل أرقاما متحفية تمت استعادتها
 

من أكبر عملية سرقة للآثار في التاريخ إلى أوسع عملية تدمير ممنهج لها ومن ثم إلى نبش عشوائي واسع النطاق، هكذا يمكن اختصار الرحلة المريرة للآثار العراقية على مدى الـ15 عاما الأخيرة.

15 ألف قطعة نفيسة، تختزل حضارات العراق على مدى آلاف السنين، تعرضت للنهب في أكبر عملية سرقة آثار في التاريخ أثناء اجتياح قوات دولية تقودها الولايات المتحدة الأميركية للعراق في 2003.

وعند اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية لشمال وغربي البلاد صيف 2014، عمد إلى تدمير ممنهج لمتحف الموصل (شمال)، ومواقع أثرية تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، ونهب القطع الأثرية الصغيرة وبيعها في السوق السوداء.

لكن ما يشغل بال المعنيين بالآثار في الوقت الحالي هو النبش العشوائي للمواقع الأثرية من قبل لصوص وقبائل لها سطوتها في البلاد، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العراق يقف على أكثر من 200 ألف موقع أثري جرى التنقيب الرسمي في نحو 12 ألفا فقط منها.

وتتركز المخاوف من عمليات النبش العشوائي، التي ازدادت بشكل كبير في محافظة ذي قار (جنوب) وتحديدا مدينة الناصرية (مركز المحافظة).

 ويقول الباحث في الآثار والمؤرخ العراقي علي النشمي، “كل سنتيمتر في الناصرية به آثار، لا يوجد بيت ولا نهر ولا شارع لا توجد تحته آثار، وبالتالي فإن هذا النبش العشوائي حطم الكثير من آثارنا".

12 ألف موقع أثري جرى اكتشافه خلال عمليات التنقيب الرسمية من بين أكثر من 200 ألف موقع

ويحدد النشمي بوضوح مشاركة القبائل والعشائر، التي تفرض نفوذها بتلك المناطق في عمليات النبش التي تحدث، ويقول “كل عشيرة أو قبيلة تسيطر على قطعة أرض في تلك المناطق وتتصرف فيها كما تشاء، ولا يمكن للدولة أن تتدخل”.

منذ إسقاط النظام السابق عام 2003، تراخت قبضة الدولة وسط أعمال عنف شبه يومية، وهو ما خلق بيئة مواتية للعصابات المنظمة ونابشي الآثار ومهربيها.

ويعطي النشمي لمحة عن الطريق الذي تسلكه الآثار المنهوبة وصولا للسوق السوداء والمزادات، بالقول إنها ترسل في الغالب إلى الأردن ومن هناك إلى الولايات المتحدة وغيرها، ومن ثم تباع في المزادات.

ويشير إلى أن “الآثار تفقد الكثير من قيمتها إذا لم يجر استخراجها من قبل مختصين يوثقون خلالها تاريخ الاستخراج والموقع المستخرج منه وما إلى ذلك من معلومات مهمة تعطينا صورة واضحة عن تاريخها".

ويجري بيع الآثار العراقية في تلك الدول، رغم عدة قرارات أصدرها مجلس الأمن الدولي على مدى العامين الماضيين، يحظر من خلالها التجارة في الآثار العراقية في مسعى لتجفيف منابع تمويل تنظيم الدولة الإسلامية.

لم يقتصر نبش المواقع الأثرية على العصابات المنظمة والأفراد العاديين، بل عمد تنظيم الدولة الإسلامية أيضا إلى نبش المواقع الأثرية وسرقة ما يمكن حمله وبيعه في السوق السوداء وتدمير ما لا يمكن حمله، وكان التنظيم يحصل على مورد مهم من بيع الآثار.

ويقول الأكاديمي في كلية الآثار بجامعة الموصل عامر الجميلي، “في فترة داعش تم النبش العشوائي في محافظة نينوى (شمال)، حيث تم الحفر في تلال أثرية منها المسيحلي وتل عبينة وتل حويش (مدينة اوباش الآشورية)، وتم النبش في أنفاق جامع النبي يونس داخل الموصل، والتلال الأثرية في منطقة الحويجة جنوب غربي محافظة كركوك (شمال) ناهيك عن تدمير متحف الموصل الحضاري ومنارة الحدباء ومدينة النمرود بالكامل”.

ويضيف الجميلي أن “المواقع التي نتحدث عنها ترجع إلى حقب زمنية مختلفة بدءا من الألف الثالث قبل الميلاد وصولا إلى الحضارة الإسلامية، حيث كان العراق مهدا لحضارات عريقة مثل السومرية والبابلية والأكدية قبل أن تصبح بغداد عاصمة للخلافة العباسية الإسلامية”.

 200 ألف قطعة تم استردادها وهي من مسروقات النبش العشوائي 
 200 ألف قطعة تم استردادها وهي من مسروقات النبش العشوائي
فرض هذا الواقع على السلطات العراقية المختصة بالآثار مهاما شاقة ومريرة تتمثل في ملاحقة كنوزه التاريخية المسروقة من دولة إلى أخرى ومن مزاد إلى آخر، لكنها في المحصلة لا تعرف عدد القطع المنهوبة على وجه التحديد.

ويقول مدير قسم الاسترداد في الهيئة العامة للتراث بوزارة الثقافة والآثار مثنى عبدداوود، إن “عدد القطع الأثرية المسروقة والمهربة إلى الخارج، والتي كانت ضمن محتويات المتحف العراقي ببغداد إبان الاحتلال الأميركي عام 2003، يبلغ ما يقارب 15 ألف قطعة أثرية".

أما القطع غير المسجلة، والتي جرى استخراجها من عمليات النبش العشوائي، فعددها غير معروف، حتى أن السلطات العراقية لا تتوافر لديها أي أرقام تقديرية بشأنها.

ويقول داوود إن العراق يواصل استرداد آثاره، مضيفا “استعدنا أكثر من 4 آلاف قطعة أثرية، تحمل أرقاما متحفية، من محتويات متحف ببغداد، وأكثر من 200 ألف قطعة أثرية تم استردادها وهي من مسروقات النبش العشوائي”.

وأوضح أن بعض تلك الآثار المستردة تحمل أهمية كبيرة مثل “الإناء النذري”، وكذلك الأقراط الآشورية وهي ضمن مكونات كنز النمرود. أما عن الدول التي تعد سوقا رائجة للآثار العراقية، فهي، بحسب داوود، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وكذلك الولايات المتحدة، فلا تزال المزادات العالمية في تلك الدول تعرض آثارا عراقية.

عن إمكانية استعادة جميع الآثار المسروقة والمهربة، يقول داوود إن هناك عملا مشتركا ما بين الوزارات العراقية لمتابعة واسترداد الآثار، ويتركز العمل على الاتفاقات الدولية بين العراق والدول الأخرى وأهمها اتفاقية يونسكو لعام 1970، وكذلك اتفاقية لاهاي التي نصت على حماية الممتلكات الثقافية للشعوب.

وكشف داوود عن “وجود خطط لتوقيع مذكرات تفاهم ثنائية ما بين العراق وبعض الدول التي نعتقد أنها أصبحت ممرا لتهريب الآثار، وكذلك الدول التي نجد أن دور العرض والمزادات مازالت تعمل وبصورة كبيرة فيها، بحيث تكون تلك المذكرات حجة قانونية في استرداد الآثار”.

ويعوّل العراق، بحسب داوود، على قيام بعض الدول باتخاذ إجراءات وتغييرات قانونية من شأنها إتاحة المجال لعودة كنوز العراق الأثرية، مبينا أن ألمانيا والولايات المتحدة تحركتا في ذلك الاتجاه بالفعل.