حدثت الكارثة بعد الاحتلال الأميركي وإفراغ العراق من محتواه السيادي وتهديم هيبة الدولة وتلاشي احترام القانون وغياب مفاهيم المواطنة
 

إعلان العراق دولة خالية من ظاهرة تعاطي المخدرات كانت في عام 1972، ونعني بها أصناف المخدرات النباتية أو الطبيعية، لعدم انتشار الأدوية ذات الاستخدام المزدوج مع الوصفات والجرعات الخاضعة للإشراف الطبي حينها.

سِجلّ العراق في هذا المجال لم يكن خطيرا والإدمان فيه ليس شائعا وضمن حدود نسبته السكانية في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، إلا أن الخط البياني بدأ بالحركة صعودا إلى تاريخ اتخاذ القرار السياسي والقانوني بإنزال أقصى العقوبات بحق كل من تثبت عليه مزاولة الاتجار بالمخدرات وترويجها؛ وشمل أيضا الأشخاص الناقلين الذين استخفوا بالقرارات والإجراءات ثم أصبحوا عبرة ورادعا للآخرين.

كان هؤلاء قلة ورغم إصدار الأحكام القضائية بحقهم، لكن جهات عديدة محلية ودولية اعتقدت أن عفوا أو تخفيفا للعقوبات سيطالهم في اللحظات الأخيرة. تم تنفيذ الأحكام ومعها لم يعد لمخاطر المخدرات أي وجود في قاموس تجارة الممنوعات أو التهريب، سوى بعض الملامح على وجوه وأجساد المدمنين الذين يعانون من الهزال والإعياء الشديد.

معظم رؤساء وقادة العراق من الذين سكنوا في منطقة الكرخ ومحلات بغداد القديمة تعايشوا مع نماذج حياتية كانت ضحية للمخدرات، وتأثروا حتما على تعاقب مكانتهم في مواقع اتخاذ القرار بتلك العينات من المدمنين الذين تتفاوت حالتهم المادية والثقافية.

خلفيات نسبة صفر مخدرات في عراق فترة السبعينات وما تلاها كانت غايتها، بالإضافة إلى معالجة تداعيات الإنهيار الجسدي والنفسي والاجتماعي، تحقيق التنمية الحضارية والعلمية وتوجهات النهوض بالعراق وما يندرج تحت بند إدخال العمالة الأجنبية مع الشركات المتعددة الجنسيات التي باشرت عملها في مختلف المشاريع.

كذلك تمّ فتح الأبواب أمام العرب وخصوصا من المصريين، إذ بلغت أعدادهم الملايين وبعض الأفراد منهم مازالوا مع أشقاء من دول عربية أخرى يتواجدون في العراق ولم يغادروه رغم كل الظروف القاسية التي مرت.

قطع دابر تعاطي المخدرات والمتاجرة بها سمح للعراق باستقدام أعداد هائلة من العمال وحتى المزارعين في تجربة فريدة لانتقال جماعي وبناء قرى نموذجية. استقدامهم كان دون تدقيق وبلا خوف وباطمئنان تامّ لاستحالة المجازفة بخرق قوانين دولة حسمت أمرها مع ظاهرة المخدرات.


فكيف أصبح العراق صالة إنعاش ومستشفى كبيرا لمعـالجة حالات الإدمـان على المخدرات بمجرد إتباع الوصفة المثالية التي لا تكلف سوى السفر والعمل داخل العراق.

تراجع العراق في مجال مكافحة المخدرات أثناء فترة الحصار في تسعينات القرن الماضي التي كان لها الأثر الكبير على الواقع الاقتصادي وملحقاته، إذ تزايد عدد المستوردين الذين وجدوا في تجارة الأدوية ربحا وفيرا في ظل حاجة الناس وتفاقم الأمراض وصعوبة الحصول على متطلباتهم من الأدوية.

في هذه الأجواء تكاثرت المذاخر ومناشئ الأدوية، ونشطت مافيات الوسطاء وبيع الحبوب المتنوعة والممنوعة من الصرف من دون وصفة طبية، وتوسعت حتى تحولت بعض أزقة بغداد إلى بؤر لتجارة الحبوب المخدرة رغم إن العديد من المذاخر أدّت خدمات جليلة لتوفير الأدوية وكسر الحصار، لكنها مع ذلك كانت مفتاحا لبداية عودة المخدرات إلى العراق تحت ستار الأدوية الطبية.

حدثت الكارثة بعد الاحتلال الأميركي للعراق وإفراغ العراق من محتواه السيادي وتهديم هيبة الدولة وتلاشي احترام القانون وغياب مفاهيم المواطنة. ثم انتقل العراق بعد سنوات من التخريب إلى سياسة توصيل اليأس والفساد على طريقة تسلسل مرجعية الأزمات إلى ما لا نهـاية كما في اقتطاع مقولة حصر السلاح بيد الدولة من دون قراءة ما يستتر من المشروع المكشوف في حصر الدولة بيد الميليشيات، وحصر الميليشيات والنظام السياسي بيد النظام الإيراني.

المخدرات في حاضر العراق ما عادت أزمة “كيف” لتنحصر في معالجة تدهور صحة من يتعاطاها أو عذاباته في الإدمان أو آثاره الاجتماعية؛ بل بما يتعلق بتمويل الأذرع الميليشيوية، وهي بمثابة جيوش بتجهيزات عسكرية تابعة لشخصيات وأحزاب سياسية كانت، ومازالت، على سدة حكم العراق منذ الاحتلال، أو في دربها للسيطرة على كامل السلطة أو أهم مفاصلها في هذا البلد العربي أو ذاك.

“كاسندرا” ليس عنوان مسلسل مكسيكي وإنما هو مشروع أميركي لوكالة مكافحة المخدرات لتتبع المخدرات التي تتاجر بها الميليشيات الإيرانية، لكن تولي الرئيس السابق باراك أوباما إدارة البيت الأبيض في سنة 2009 أدّى إلى انعطافة جوهرية في السياسة الأميركية تجاه البرنامج النووي الإيراني تمثلت في التهدئة والحوار والمهادنة لمعالجة إرهاب الميليشيات بدمجها في النظام السياسي، وهذا حاصل ما تم الدفع به في لبنان والعراق، وما تجري الاستعدادات لإنجازه بما تبقى من حلقات لإكمال المهمة.

ملابسات غاية في الإدانة للميليشيات الإيرانية واتهامات صريحة لإدارة أوباما السابقة بتعطيل عمل الوكالة المختصة لمتابعة الأنشطة الإجرامية الموثقة بمراقبة الاتصالات والتسجيلات والرسائل والوثائق وعلى نطاق العالم، حيث البيع والتهريب وغسيل الأموال وبالأسماء، والهدف كان طمس التحقيقات لإبرام الاتفاق النووي مع إيران.

إعادة العمل بمشروع كاسندرا وتشكيل لجنة تحقيقية أميركية للكشف عن المعلومات وفضائح الأذرع الإيرانية في لبنان، ستجابه حتما بالتكذيب من أطـراف لها عـلاقة صريحة بالميليشيات، ولمعـرفة تلك الأطراف مسبقا بأن تلك التحقيقات لم ترتق إلى طابعها الرسمي الملزم في القضاء الأميركي وكذلك لتخوف الساسة من انتكاسات مماثلة في الواقع اللبناني لما جرى في الأشهر الأخيرة.

ينسحب ذلك على واقع العراق في ظاهرة انتشار تجارة السلاح والمخدرات. فالنظام الإيراني لا يتوقف عن تهريب الفتن الطائفية والميليشيات، لذلك تغدو المخدرات قسما من بعض نشاطاته وبابا مضافا لدعم شبكة علاقاته المصرفية وعمليات إرهابه النوعية التي انتقلت بالعراق من بلد خال من المخدرات، إلى بلد تحكمه شلة من تجار الدم والحشيش.

 

حامد الكيلاني