لم تكن مفاجئة صدمة اللبنانيين بتدخل الأمين العام لـ «حزب الله» في منع أو عدم منع فيلم «ذي بوست» لستيفن سبيلبرغ، وتقريعه السلطات اللبنانية (وزارة الداخلية التي لم يسمّها) على سماحها بالعرض، ليتبيّن لاحقاً أن «التقريع» استند إلى معلومات مبالغ بها حول المخرج وتبرعاته. هكذا تمتد يد «الممانعة» إلى الشأن الثقافي وإلى الاتصال الحرّ بين اللبنانيين ومصادر الأخبار والمعارف والفنون في العالم. وبذلك يتخطى «حزب الله» حدوده كحزب (وكطائفة كما يرغب) في الضغط على التنوع الاجتماعي والثقافي اللبناني وصولاً إلى وضعه تحت الرقابة. ويتناسى «الحزب» أن نموه، الذي لم يتعرقل داخلياً بالقدر المتوقع، يرجع إلى تراث الحرية في لبنان أكثر منه إلى المصادر المالية والإيديولوجية الإيرانية. في هذا يخطو الأمين العام خطوته الواضحة في الطريق إلى دولة شمولية لن يقبل بها اللبنانيون، حتى من محازبيه الصامتين، بل سيدافعون عن تراث الحرية والتنوع الذي حفظ لوطنهم ومجتمعهم (مجتمعاتهم) الحد الأدنى من الوجود الحرّ، في منطقة تتحطم فيها نظم طالما وصفت بالصلابة والديمومة.

الهوية الوطنية لأي شعب تجد تعبيرها عادة لدى الدولة التي تمثله، فيما تشكل مؤسسات المجتمع المدني الاقتصادية والاجتماعية روافد تغذي وطنية الدولة. لكن لبنان استثناء في هذا المجال، فالقطاع الخاص سبق ويسبق الدولة في تقديم أشكال من الهوية الوطنية تناسب المزاج الديني أو الطائفي، وأحياناً العرقي، وكذلك المزاج السياسي الحديث (الأحزاب)، وغالباً ما تتصارع الهويات الخاصة لكنها في محطات مصيرية تبحث عن مشتركات تجمعها فتتمسك بها، خصوصاً في الحروب الكبيرة والاحتلالات (نعني هنا في التجربة اللبنانية الاحتلالين الإسرائيلي والسوري ومشروع الاحتلال المسيّر من بعد الذي تمهّد له إيران).

هوية الدولة اللبنانية اتخذت، منذ تأسيسها في عشرينات القرن الماضي، طابعاً إدارياً بحتاً تعبر عنه الوزارات بتنوعها، المالي والاقتصادي والاجتماعي. أما القطاع الخاص بهوياته الفرعية الدينية والسياسية فيتصارع في مجال السياسة الخارجية للدولة، ويتوقف على التصارع استقرار لبنان الذي شهد أزمات في سياسته الخارجية وضعته على حافة الانهيار عامي 1952 (عزل الرئيس بشارة الخوري وانتخاب كميل شمعون رئيساً) و1958 (الصراع الناصري مع حلف بغداد الذي أوصل إلى الرئاسة بتزكية أميركية قائد الجيش الأمير فؤاد شهاب)، وأدى الخلاف على السياسة الخارجية (تجاه المنظمات الفلسطينية المسلحة على الأرض اللبنانية) إلى الحرب الأهلية (1975 - 1991)، وها هم اللبنانيون ينخرطون في الصراع الإقليمي بين إيران والعرب عاجزين عن التوفيق محلياً بين الطرفين المؤثرين في الجماعات الدينية والمذهبية.

الوطنية اللبنانية الجامعة في خطر، خصوصاً مع غياب زعامات عابرة للطوائف (كان يمثلها كميل شمعون وكمال جنبلاط ورفيق الحريري) وضغوط إيران عبر «حزب الله» لجعل لبنان واللبنانيين منصة وحيدة في الشرق الأوسط لمحاربة إسرائيل، كما لمحاربة ما بعد إسرائيل في سورية والعراق وحيث يصل الممانعون اللبنانيون. ويقابل ذلك كله جهود لبنانية من القطاع الخاص الديني والطائفي والسياسي لوضع حد للتدخل الإيراني المتمادي والدفاع عن التعددية الثقافية والسياسية في لبنان، وحفظ تراث الحريات والانفتاح الذي تميّز به منذ تأسيس الكيان.

الوطنية اللبنانية قطاع خاص يتصارع والدولة تكتفي بالإدارة والانتظار.