كان الطفل ماركو رزق (12 عاماً) يحب الحياة، يكابر في أوجاعه ويتحمل كثيراً. بطلٌ في السباحة كما في الحياة. وفق والدته كارلا "لم أسمعه يوماً يشكو من شيء، كان قبضاي". بين ليلة وضحاها تغيّرت حياة ماركو، بدأ كل شيء بألم في الرأس لكنه سرعان ما تقيأ ونقل الى المستشفى...10 أشهر في الغيبوبة وفي 15 اب 2013 أغمض عينيه الى الأبد!

عندما تنظر الى وجه ماركو تشعر ان لديه الكثير ليقوله، عيناه تتكلمان وبسمته الخجولة ايضاً. صورته المتداولة على صورة غلاف كتاب تجعلك تسأل عنه، عن قصته. كُتب له الرحيل باكراً وترك خلفه أملاً سيُنقذ فيه حياة اطفال آخرين. تروي والدته كارلا ليوني رزق قصته بتفاصيلها الصغيرة ومحطاتها المفصلية التي جمعتها في قلبها وفي صفحات بيضاء لتخبره عن تلك الأشهر الماضية التي كان معلقاً فيها بين الحياة والموت. تقول: "كانت حياة ماركو عادية وطبيعية، لم يكن يشكو من شيء. يحب الرياضة وطبعه هادىء، كان "قبضاي". لكنه في ذلك النهار شعر بألم في رأسه، كانت المرة الاولى التي يشكو لي عن ألمه. أعطيته دواء لكن ما لبث ان تقيأ فشعرتُ ان هناك خطباً ما وتوجهتُ به مسرعةً الى المستشفى".

 

تشوه خلقي لم نعرف عنه شيئاً 

في طريقها الى المستشفى، كان ماركو يريد النوم ويتعرّق كثيراً. حاولت كارلا إبقاءه معها حتى وصلا الى هناك. تضيف والدته "بعد اجراء كل الفحوص والصورة الشعاعية تبين ان ماركو يعاني من تشوه شرايني في الدماغ اسمه Malformation artério-veineuse ( MAV) وهو بمثابة قنبلة لا يعرف احداً متى تنفجر. عادة ما تصيب كبار السن لكنها أصابت ماركو في صغره". وأوصى الأطباء بإدخال ماركو في غيبوبة حتى يرتاح دماغه.

استيقظ ماركو بعد اسبوعين لكن نزيفاً جعله يغمض عينيه من جديد ويُبقيه في الغيبوبة. أُصيب ماركو بنزيف في الشريان. كان مرض ماركو غير قابل للعلاج، وفق والدته "كان يستحيل على احدهم عمل شيء، لو اردنا العمل على هذا التشوه سنعطب الدماغ، لأن في حالته كانت شرايين دماغه ملتصقة ببعضها وسيؤدي ذلك الى النزيف حتماً. في كلتا الحالتين لم يكن بوسعنا فعل شيء. لم نكتشف ان ماركو لديه هذا التشوه، لكن معرفتنا به لم يكن لغيّر شيئاً في حياته، لم يكن في اليد حيلة".

 

توثيق آخر اللحظات...في كتاب 

10 أشهر في الغيبوبة، لم يستيقظ ماركو إلا لأسبوعين قبل ان يدخل في الغيبوبة مجدداً ولكن هذه المرة الى الأبد. في هذه الفترة كانت والدته تكتب كل تفصيل صغير، تلتقط الصور له، كانت تحتفظ بكل ذكرى وكل لحظة حتى تُحدثه عنها عندما ينتهي كل شيء ويعود معها الى المنزل. كانت توثق هذه الأشهر من دون ان تعلم انها ستكون ذكرياتها الأخيرة معه داخل المستشفى. تؤكد لنا كارلا "كنتُ اريد ان اخبره بكل ما مرّ به، مررنا بأوقات عصيبة وصعبة، لم يكن هناك أي دعم نفسي لمواجهة هذا الواقع الذي فرض نفسه فجأة على حياتنا وقلبها رأساً على عقب. 4 أشهر في المسشتفى قبل ان نقرر اخذه الى المنزل عسى ذلك يساعده في الاستيقاظ من نومه العميق. كنا نأمل ان يفتح عينيه عندما يسترجع رائحة البيت ويسمع اصواتنا واصوات اشقائه. 5 أشهر ننتظر اشارة او علامة منه، لكن ماركو لم يستيقظ. كنا ننقله اسبوعياً الى المستشفى من خلال الصليب الأحمر لإجراء الصور والفحوص ليعود ادراجه. لكن لم يتجاوب ماركو مع العالم الخارجي، كان في عالمه البعيد عنا حتى انطفأت روحه وحلق بعيداً عنا جميعاً".

بعد وفاة ماركو، قررت والدته كارلا توثيق تلك اللحظات في كتاب لتخليد ذكراه ومساعدة أطفال آخرين من خلال تأمين كلفة علاجهم. قررت كارلا إنشاء جمعية باسم " ماركو رزق" ومساعدة الاطفال الذين يعانون من امراض عصبية بالتعاون مع الأستاذ الاختصاصي في جراحة الأعصاب الدكتور يوسف قمير والاختصاصي في جراحة العظام الدكتور عصمت غانم. يعود ريع الكتاب الى هذه الجمعية ومساعدة الأطفال الذين يعانون أمراضاً عصبية على معاودة المشي من جديد. سيبقى طيف ماركو هائماً في الأجواء، فكلما نجح طفل على المشي من جديد ارتسمت ضحكة في الأرجاء. غادرنا ماركو لكن والدته تُخلد ذكراه على طريقتها ليبقى حياً في قلوب كل هؤلاء الأطفال. توفي ماركو عن عمر 13 تاركاً وراءه حياة صغيرة نستعيد بعضها في كتاب باسمه.

 

تشوه شراييني وريدي 

هذه قصة ماركو روتها والدته كارلا بكل حب وتأثر. لكن ما هي هذه الحالة الطبية ومتى يمكن التدخل طبياً ومتى نعجز عن ذلك؟ يشرح الأستاذ الإختصاصي في جراحة الأعصاب الدكتور يوسف قمير في حديثه لـ"النهار" ان "هذه الحالة المرضية وتُعرف بالـ MAV هو تشوه شراييني وريدي تكون فيه الشرايين متصلة مباشرة بالأوردة، وقد يرافقه بعض الأعراض كنزيف دماغي او نوبات صرع او آلام في الرأس. لكن في بعض الأحيان لا يكون مصحوباً بأي عارض ويكشف عنه عبر الفحوص المصوّرة".

يؤكد قمير انه "نعجز في بعض الحالات عن إجراء جراحة لا سيما اذا كانت الشرايين متصلة بمناطق خطيرة حيث يستحيل التدخل طبياً كي لا نتسبب بعطب دائم. اذا كيف تجرى الجراحة لهذه الحالة المرضية؟ تكون "اما عبر إجراء عملية جراحية لاستئصال التشوهات الشريانية الوريدي او عبر التمييل او من خلال الاشعة المركزة من خلال حرق الشريان. لكن من المهم ان نعرف انه لا يمكن التدخل طبياً في كل الحالات، كل حالة منفردة وخاصة وتعتمد على منطقة الدماغ ووظيفتها ومدى خطورتها".

ويضيف الاستاذ الإختصاصي في جراحة الأعصاب ان هناك مشاكل وامراضاً عصبية تسبب عدم القدرة على المشي عند الأطفال ومنها التشنج القوي. لذلك هدفنا دراسة كل حالة بمفردها والتمييز بين الحالات التي يمكن التدخل فيها طبياً والتي ستعيد قدرة المشي والأخرى التي يستحيل التدخل فيها. هناك حالات لليست بحاجة للجراحة واخرى لا علاج لها. صحيح ان الطب تطور ولقد أحرزنا تقدماً ونحاجاً باهراً في مرض الصرع لا سيما بالنسبة للعمل الجراحي، لذلك لا يمكن الحديث عن الامراض العصبية والتشوهات بالمطلق وانما دراسة كل مرض على حدة والعمل عليه بالتفصيل".