ظلّت الأزمة الرئاسية تُراوح في حالةٍ انتظارية، على رغم أنّ أيّ شيء على مستوى المبادرات والأفكار المطروحة لمعالجتها لم يعُد مخفياً على أحد، سواء سُلّمت إلى المعنيين شفاهةً أم كتابة. وبدا ممّا يَرشح من المقارّ الرئاسية أن لا حماسة لدى البعض إزاء هذه المبادرات، ولا سيّما منها مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري التي تقضي بدمجِ مرسومَي الأقدمية والترقيات بمرسوم واحد يوقّعه رئيسا الجمهورية والحكومة والوزراء المختصّون، الأمر الذي دفعَ بعضَ الأقطاب السياسية إلى التخوّفِ من استمرار هذه الأزمة إلى ما بعد الانتخابات النيابية المقرّرة في 6 أيار المقبل لتنسحبَ بعدها على عملية تأليفِ الحكومة الجديدة وتركيبتِها وتوزيع الوزارات السياسية فيها على مختلف القوى السياسية.

أكّدت مصادر مطّلعة لـ«الجمهورية» أن لا خروج من «أزمة المرسومين» التي تحوّلت أزمةً رئاسية، سريعاً، إلّا بمبادرة شجاعة يتّخذها هذا الرئيس أو ذاك، تحت عنوان دفعِ البلاد إلى عبور الاستحقاق النيابي بواقعٍ سياسي أكثر هدوءاً، لكن لا مؤشرات حتى الآن على إمكان انطلاق مبادرةٍ من هذا النوع .

«المستقبل»

وفي هذا الإطار، قالت مصادر «المستقبل» لـ«الجمهورية» أنْ لا شيء اسمُه مبادرة لدى رئيس الحكومة سعد الحريري، بل جهود يَبذلها، خصوصاً بعد تلقّيه مبادرة بري من القناة الجنبلاطية، وهو قد كان واضحاً أمس في تأكيده أنّ التركيز هو على أن لا يؤثّر أيّ خلاف سياسي على العمل الحكومي والاقتصادي، وتشديدِه على وجوب عدم وضعِ الحكومة والبلد واقتصاده في دائرة الخطر، لأنه لا يستطيع أن يتحمّل أيَّ أخطاء أو خلافات سياسية.

وأقرَّت هذه المصادر بـ«أنّ الوضع صعبٌ والمرحلة «عويصة»، ولم تُبدِ تفاؤلاً بحلٍّ قريب للأزمة، مشيرةً إلى أنّ رئيس الجمهورية لم يَطّلع عملياً بعد على طرح بري، وكذلك لم يلتقِ الحريري بعد لكي يحصل تشاورٌ وبحث في هذه الجهود». غير أنّ المصادر نفسَها وصَفت العلاقة بين الحريري وبري بأنها «جيّدة»، خلافاً لِما يتردّد من أنّها «مأزومة في هذه المرحلة».

وتطرّقت المصادر إلى الملف الانتخابي في ضوء حديث البعض عن إدخال تعديلات على قانون الانتخاب، فأكّدت أن لا نيّة لدى الحريري «لطرح أيّ تعديل جوهري على القانون أو التخلّي عن النسبية»، وكرّرت التأكيد على «أنّ الانتخابات ستُجرى في موعدها».

برّي


وكان بري قد قال من طهران التي وصَل إليها بعد ظهر أمس للمشاركة في مؤتمر اتّحاد مجالس دول منظمة التعاون الإسلامي على رأس وفد نيابي: «تقدّمتُ باقتراح أعتقدُ أنّه مفيد للجميع وللبنان ولا يضرّ أيَّ شخصٍ ولا يعطي غلبةً لأحد، وآمل في أن يُقبَل. في حال عدم القبول أجد صعوبة».

مصدر عسكري رفيع


في هذا الوقت، أكّد مصدر عسكري رفيع لـ«الجمهورية» أنّ «الجيش فعَل ما في وسعِه بالنسبة إلى مرسوم الأقدمية، وقد بادر إلى طلب سنةٍ أقدمية لدورة ضبّاط 1994 وفق الأصول القانونية لأنّه يَعتبر هذا الأمرَ حقّاً له».

ولفتَ إلى أنّ «الجيش لا يتدخّل في النزاع السياسي الذي نشأ على خلفية المرسوم، والكرة الآن في ملعب السياسيين»، جازماً بأنّ «المؤسسة العسكرية لم تتأثّر بما حصَل، فهي وحدةٌ متراصّة ومتماسكة وتخضع لأوامر القيادة، ولا يستطيع أحد رميَ خلافاته وزرع الشقاقِ في داخلها».

رأي هيئة التشريع

وفي جديد أزمةِ مرسوم منحِ ضبّاط أقدمية بالترقية، كشَفت مصادر مطّلعة لـ»الجمهورية» أمس عن الرأي الذي أعطته هيئةُ التشريع والاستشارات في وزارة العدل في بيروت بضرورة توقيعِ وزير المال على مرسوم منحِ ضبّاط أقدمية بالترقية أوعدمه ومدى اعتبار هذا التوقيع معاملة جوهرية.

وأكّدت الهيئة في خلاصة رأيها الذي أصدرَته بناءً على طلب وزير العدل «أنّ الوزير المختص الذي يحقّ له توقيعَ المرسوم إلى جانب كلّ مِن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة هو وزير الدفاع، وأيّ وزير آخر يتبع أحد أو بعض الضبّاط لإدارته، ولا يشترك وزير المال في التوقيع معهم».

واستنَدت الهيئة إلى خلاصة حكمٍ مماثل صَدر عن مجلس شورى الدولة العام 1991 ويتصل بالقوانين المالية، فتبنّته لجهة إبطالِه في حينه قراراً لوزير المال كان قد أصدرَه العام 1988 معتبراً أنّ قرار وزير المال «صادر عن سلطة غير صالحة».

وتضمّنَ رأي الهيئة أيضاً «بأنه لا يوجد أيّ نصّ في الدستور أو في القوانين والأنظمة المالية والإدارية يجعل من وزير المال قيّماً أو مراقباً على أعمال سائر زملائه الوزراء».

لأنّ المادة 66 من الدستور الجديد المعدّل في العام 1990 (ما بعد الطائف) جعلت من كلّ وزير قيّماً على شؤون وزارته، أسوةً بسائر الدساتير المعمول بها في الأنظمة البرلمانية في كلّ بلدان العالم. وهو بالتالي «المرجع الأوّل والأعلى في إدارته، ولا يشترك معه وزير المال في ممارسة صلاحياته لجعلِ قراراته قانونيةً وأصولية ونافذة».

مصادر وزارية

وقالت مصادر وزارية في 8 آذار لـ«الجمهورية»: «إنّ جميع القوى السياسية عملياً بدأت التحضيرَ للانتخابات وإعدادِ اللوائح ورسمِ التحالفات وتوزيع الحصص، وكلُّ شيء الآن يُحسَب حسابُه تحت سقفِ الانتخابات، وكلّ الكلام عن التأجيل سقط مثلما سقطت محاولات تعديل قانون الانتخاب». وأشارت إلى «أنّ الثوابت في التحالفات أصبحت واضحةً كحِلف «حزب الله» ـ حركة «أمل» أو «التيار الوطني الحر» ـ «المستقبل».

أمّا التحالفات الأخرى، فستبقى براغماتية تفرضُها الظروف والمناطق. وفعلياً، لم يبقَ سوى 3 أشهر تفصل عن موعد انتخاب المغتربين في 22 نيسان، وهذه المهلة تنقضي «بغمضةِ عين»، لذلك يمكن القول من الآن وصاعداً، إنّه زمنُ الانتخابات».

تحضيرات الداخلية

الاجتماعات التحضيرية للانتخابات النيابية المقبلة مستمرّة ومتواصلة في وزارة الداخلية والبلديات، وفي هذا الإطار تعقد اللجنة المختصّة المؤلّفة من الموظفين والمستشارين الكبار اجتماعاً دورياً اليوم برئاسة الوزير نهاد المشنوق.

وعلِم أنه بدأ الإعداد لبرنامج متكامل لتدريب جميعِ الذين سيَعملون في العملية الانتخابية، من موظفين إلى رؤساء أقلام، وسيتبع ذلك تنظيمُ دوراتٍ تدريبية تقنية مكثّفة للجان القيد، خصوصاً لجهةِ التكيّفِ مع العناصر الجديدة التي تضمَّنها قانون الانتخاب الجديد على صعيد احتساب الحاصل الانتخابي وتوزيع الفائزين على اللوائح. كما تستعدّ وزارة الداخلية بالتعاون مع جمعيات من المجتمع المدني والأمم المتّحدة لاتّخاذِ عددٍ مِن التدابير لتسهيل اقتراع ذوي الحاجات الخاصة.

وعلى صعيدٍ آخر، ستُستكمل تجهيزات مكاتب «هيئة الإشراف على الانتخابات»، وسيتمّ افتتاحها رسمياً خلال الأيام المقبلة.

قائد الجيش

على صعيدٍ آخر، زار قائد الجيش العماد جوزف عون الكلّية الحربية في الفيّاضية أمس، حيث التقى قائد الكلّية وضبّاطَها واجتمعَ بتلامذة ضبّاط السَنة الأولى الجُدد الذين التحقوا فيها خلال الأسبوع الفائت. وخاطبَ عون تلامذةَ الضبّاط قائلاً: «يلّي فايِت عالحربية ليعلّق نجمة من هلّق بقِلّو ما إلَك محلّ عنّا...أنتم سفراء الجيش في قراكم وبيوتكم ومجتمعكم، طائفتُكم ودِينكم هذه البدلة».

ورحّبَ عون بهم في الكلّية الحربية «التي دخلتموها بكفايتكم بلا واسطة، فالمُفضِل عليكم هو عِلمكم وجهدكم، وأيّ شخصٍ يُمنّنكم قولوا له أخرُج مِن هنا». وقال: «ليس هناك أيّ تأثير لأيّ جهة سياسية أو غير سياسية في نجاح التلامذة الضبّاط»، لافتاً إلى أنّه «كما كانت الكفاية المعيارَ الوحيد لقبولكم في الكلّية، كذلك لن يتخرّج أيّ تلميذ ضابط بعد اليوم في هذه الكلّية، ما لم يكن متسلّحاً بالكفاية نفسِها».

ويشار إلى أنّ الدورة الحالية حازت اهتماماً خاصّاً لدى قائد الجيش الذي تابعَ كلَّ تفاصيلها وواكبَها عن قرب منذ لحظة انطلاق الاختبارات وحتى صدور النتائج التي جاءت صادمةً للقوى السياسية، حيث لم تراع سوى معايير الكفاية والجدارة، مع الأخذ في الحسبان، المناصَفة بين المسيحيين والمسلمين، من دون مراعاة النِسبِ بين المذاهب داخل كلٍّ مِن الطوائف.

سفارة الإمارات

في هذا الوقت، رعى الحريري الاحتفالَ بوضعِ حجر الأساس للمبنى الجديد لسفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في منطقة الرملة البيضاء، معتبراً أنّ «وضع حجرِ الأساس لهذه السفارة هو رسالة لجميع اللبنانيين بأنّ دولة الإمارات يَهمّها لبنان والوضعُ السياسي والاقتصادي والأمني فيه، وهي تُوجِّه رسالة إلى جميع اللبنانيين بغَضّ النظر عن الخلافات اللبنانية الحالية، بأنّها موجودة لتدعمَ كلَّ اللبنانيين في البلد».

بدوره، أكّد سفير الإمارات حمد سعيد الشامسي أنّ «ما يَهمّنا هو استقرار الحكومة اللبنانية ونجاحها في المرحلة الآتية، وأن تكون قادرةً على أداء واجبها تجاه المواطن اللبناني، وبإذن الله سيتحقّق ذلك قريباً بقيادة الرئيس الحريري، ونحن ندعم هذا البلد الذي نَعتبره جزءاً لا يتجزّأ من الخليج والدول العربية».

واعتبَر أنّ «وضعَ حجرِ الأساس له معانٍ كثيرة، ومنها أنّ الإمارات مستمرّة ببعثتها الديبلوماسية في لبنان، ومستمرّة بعلاقاتها مع الشعب اللبناني في كلّ الظروف، وبإذن الله سيكون هذا الصرح أحدَ معالمِ بيروت خلال مدةٍ أقصاها 24 شهراً». وأضاف: «موقفُنا واضح من لبنان، والسعودية والإمارات ودولُ الخليج المعتدلة تعمل دائماً لمصلحة استقرار لبنان وشعبه».

في غضون ذلك، حذّرت​ وزارة الخارجية الكندية في بيان، رعاياها من السفر إلى لبنان «جرّاء الظروف الأمنية التي لا يمكن التنبّؤ بها وخطر وقوعِ أعمالٍ إرهابية».

عدم الهلع


ودعا مصدرٌ أمنيّ المواطنين إلى «الاطمئنان وعدم الهلعِ والانجرار وراء الشائعات»، وقال لـ«الجمهورية»: «إنّ التحذيرات الصادرة عن بعض السفارات هي إجراءات عادية وروتينية تعمد إليها في أيّ بلد يَشهد عملاً أمنياً، خصوصاً أنّ الدول الغربية تصنّف لبنانَ على أنّه واقع في منطقة مضطربة من العالم ويتأثّر بمحيطه».

وأكّد المصدر أن «لا مخاوف جدّية أو معلومات عن مخططات لتفجير الساحة اللبنانية، وأنّ ما حصَل يبقى محصوراً في زمانه ومكانه، وأنّ دعوات السفارات تندرج في هذا الإطار وهي أصبحت عاديةً ويَعرفها المواطنون وتبقى تأثيراتها محدودة»