الصورة محمل ثقافي هام جدا ومؤثر، لغة يمكنها قول ما لا تقوله كتب مجتمعة، إنها تلك اللحظة الخالدة التي تختصر الحدث والمكان والزمان، أي التاريخ، لكن للصورة عوالم خفية، يتحكم فيها صنّاع الصورة، وخاصة في ما يتعلق بالسينما، حيث تنجح هذه الترسانة الصناعية الفنية في خلق صورها، وجعل حتى الناس صورا، لكن الخطير هو أن تحبسهم في تلك الصور، كما يحدث مع نجوم السينما الذين يبقى أغلبهم حبيس الصورة المقدمة له، يبقى كأثر جامد، تماما مثل صورة الممثلة الأميركية مارلين مونرو
 

لم يعد نجوم السينما حكرا على الشاشة، هم أيقونات تتنقل بين قطاعات الثقافة والفن، كونهم ذوي قيمة تبادليّة. السينما، عالم الفانتازيا والأحلام، ساهمت بتشكيل وعينا بأنفسنا وبالعالم من حولنا، فنجوم السينما هم تكثيف أيقوني لما نريد أن نكون، سواء جماليا أو سلوكيا، وهذه الأيقونات تحمل في داخلها قيمة استهلاكيّة /اقتصاديّة، تتموضع من حولنا خارج الشاشة عبر أنساق السلوك التي تروج لها، بوصف السينما ونجومها معادلات بصريّة عن الأيديولوجيا وتقنيات الهيمنة المرتبطة بها، فهم نماذج مثالية مصنّعة لاحتمالات ما يمكن أن نكونه أو ما يمكن أن يحصل.


الجلسة الأخيرة

تشهد صالة دي سي وورلد في باريس معرضا لصور الممثلة الأميركية الشهيرة مارلين مونرو (1926-1962) بعنوان “مارلين مونرو-الجلسة الأخيرة”، وهو من أشهر أعمال المصور الأميركي بيرت ستيرن الذي فارق الحياة عام 2013، والذي بدأ مسيرته كمصور محترف منذ خمسينات القرن الماضي، ووقف أمام عدسته أشهر نجوم السينما والفن في العالم، كإليزابيث تايلور ومادونا وليندزي لوهان، لكن ستيرن عمل كمصور في اليابان مع الجيش الأميركيّ، وذلك قبل أن يصبح مصور موضة ومشاهير في أكبر المجلات العالميّة.

الجلسة الأخيرة تعتبر من أهمّ أعمال ستيرن، ونالت شهرة عالميّة كونها أيقونات فنيّة، فهي تحوي مارلين مونرو، إلى جانب العوامل الجمالية التي تحويها كلّ صورة، وقد نشرت الصور بأكملها للمرة الأولى ضمن كتاب عام 1982 يحمل ذات عنوان المعرض.

ما حدث أن مجلة فوغ الشهيرة طلبت من ستيرن تصوير مونرو، ولمدة ثلاثة أيام عام 1962 في لوس أنجلوس، التقط ستيرن ما يفوق الـ2500 صورة فوتوغرافية لها بمختلف الوضعيات، لكن لم ينشر منها في فوغ إلا القليل، لكننا نرى في الجلسة الأخيرة مونرو مع الشامبانيا والغواية والعريّ، تقف أمام العدسة بابتسامتها التي مازالت ساحرة حتى هذه اللحظة، لكن للأسف، بعد ستة أسابيع من الجلسة، فارقت الحياة، لتكون هذه الصور هي الأخيرة لها رسميا.

نشاهد في المعرض بعض الصور التي شطبت عليها مارلين بعلامة أكس، كونها رفضت أن تُنشر، وأشهرها تلك التي يظهر بها جسدها عاريا وراء قماش شفاف، ويقول ستيرن إن رفضها للنشر لم يكن بسبب نوعية الصور أو العريّ الذي فيها، لكنها لم ترد لها أن تنشر في المجلة، كما نشاهد أيضا الصورة الأشهر لمارلين، عارية، تغطي صدرها بوردتين، وعلى الجانب الأيمن من جسدها ندبة واضحة إثر عملية جراحيّة قامت بها سابقا، هذه “اللوحة” تبرز مونرو بكل ألقها، بوصفها بشرا، لا مجرد رخام أبيض صالح للتأمل فقط، جسدها على جماله في هذه الصورة لا يبدو أسطوريا، بل هو بشريّ، ذو عيوب، يتضرر ويعاد إصلاحه، هذه الندبة هي التي تزيد “اللوحة” سحرا وتكسر صورة مونرو النمطيّة.

صورة للاستهلاك

جسد مونرو ليس ملكا لها، هو مستلب إلى صناعة جماهيريّة تعيد تشكيله بما يخدم رغبات الاستهلاك البدائيّة لدى المتلقي، وهي الجنس، فـ”الجنس دوما له سوق”، فجسد مونرو ملك للآخرين ورغباتهم، والهالة المحيطة به مرتبطة بأنظمة ذكوريّة شهدتها الخمسينات في أميركا والعالم، والتي جعلت من المرأة عنصرا فعّالا للبيع وللتبادل.

مونرو تحضر أمام الكاميرات دوما، كل ظهور لها خاضع للإخراج حتى ذاك العفوي واللاإرادي، هي أداة بيد صناعة الهيمنة المرتبطة بالصورة، وتكثيف صناعي ومصطنع لما نريده، حتى وإن رفضت ذلك، هي وليدة رغبات رجال الإعلان ومنتجي السينما، جسدها ليس من أعراض صناعة الاستهلاك فقط، بل هو النموذج والمعيار الذي على أساسه يقاس الباقي، أما هي فمتورطة وخاضعة حتى لو لم تدرك، كل ما تفعله “جذّاب” فقط لأنها مونرو، أمام العدسة، جسدها وأداؤه هما أداة للتصوّر المثالي الذكوريّ، ودمغة الاستهلاك لا يمكن أن تمحى منهما.