المفارقة التي تعقّد مهمة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في منافسة خَلَفه حيدر العبادي على منصب رئاسة الحكومة خلال الانتخابات القادمة تتمثّل في أنّ المالكي مسؤول عن هزيمة القوات المسلحة أمام داعش وعن تمدّد أكراد البلاد خارج الحدود التقليدية لإقليمهم وتنامي طموحهم للاستقلال، فيما العبادي هو صاحب “الإنجاز” في تصحيح الوضعين معا
 

أسدى الاستفتاء الذي أجراه أكراد العراق على استقلال إقليمهم، وما أعقبه من أحداث انتهت إلى استعادة بغداد لعدد من المناطق المتنازع عليها وأهمها كركوك الغنية بالنفط، خدمة سياسية جليلة لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي أحرز “شرف” الحفاظ على الوحدة الترابية للعراق بعد أن كان “بطل” تحرير مناطقه من تنظيم داعش.

وسيقدّم هذان العاملان دعما كبيرا للعبادي لتجديد ولايته على رأس الحكومة العراقية، خلال الانتخابات القادمة المقرّرة لربيع سنة 2018، وسندا له للصمود في وجه منافسين أشدّاء له من داخل عائلته السياسية الشيعية، وأولّهم نوري المالكي رئيس الوزراء السابق وزعيم حزب الدعوة الإسلامية الذي ينتمي إليه العبادي نفسه.

ورغم النفوذ الكبير الذي ما يزال المالكي يمتلكه في العراق ويستمدّه من أذرعه الممتدة داخل أجهزة الدولة ومن تحالفه مع كبار قادة الميليشيات الشيعية وأبرزهم زعيم ميليشيا بدر هادي العامري، إلاّ أنّ منافسته للعبادي على منصب رئاسة الحكومة ازدادت صعوبة مع تراكم الإنجازات المحسوبة ضمن رصيد الأخير وأحدثها استعادة كركوك.

وسيواجه المالكي في منافسة العبادي مفارقة صادمة وجليّة للعيان تتمثّل في أنّ داعش احتلّ أكثر من ثلث مساحة العراق في عهده، كما أن أكراد البلد مدّوا حدود إقليمهم خارج ما يعرف بحدود سنة 2003 في العهد نفسه. بينما تم “التحرير” من داعش وإعادة الأكراد إلى حدودهم القديمة في عهد العبادي.

وليس هذا فحسب، ما يعسّر مهمّة المالكي في المنافسة على منصب رئيس الوزراء، بل أيضا ما تلبّس بسمعته السياسية من مسؤولية عن الضعف والتراجع اللذين ألمّا بالدولة العراقية في مختلف القطاعات والمجالات، وعن الفساد الذي تغلغل في مختلف مفاصلها، خلال فترتي حكمه اللّتين امتدّتا من سنة 2006 إلى سنة 2014 وانتهتا بكارثة انهيار القوّات المسلّحة العراقية وسيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة بشمال العراق وغربه وصولا إلى مشارف العاصمة بغداد وبعض ضواحيها الجنوبية في محافظة بابل.

وخلال الأيام الماضية التي شهدت دخول القوات العراقية إلى المناطق المتنازع عليها بين الأكراد والحكومة المركزية ودفع قوات البيشمركة الكردية إلى الحدود التي كانت قائمة قبل غزو داعش لمناطق البلاد سنة 2014، وذلك دون مواجهة عسكرية تذكر، عدا بعض المناوشات التي سقط فيها عدد محدود من القتلى والجرحى في صفوف القوات الكردية، بدت الجبهة السياسية الداخلة العراقية موحّدة بشكل كامل وراء قرار حيدر العبادي استعادة كركوك وباقي المناطق.

وأظهرت القوى والشخصيات الشيعية بمن فيها نوري المالكي دعما لقرار رئيس الوزراء ووفّرت له الغطاء السياسي والإعلامي، رغبة في المشاركة بالإنجاز من جهة، واصطفافا، من جهة أخرى، إلى جانب إيران التي دعّمت بشكل كبير عملية استعادة المناطق من أيدي الأكراد، كون طهران مثل أنقرة معنية بشكل مباشر بوأد الدولة الكردية في مهدها لأنّها إذا ولدت لن تتأخر في المطالبة بأراضي الأكراد في كل من إيران وتركيا وسوريا.

غير أنّ قوى شيعية أظهرت تمزّقها بين دعم العبادي والخوف من صعود أسهمه السياسية، فجنحت إلى نقده والمزايدة عليه باتهامه بقلة الحزم تجاه القادة الأكراد الذين دعّموا الاستفتاء وعلى رأسهم رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، مطالبة إياه بالقبض عليهم ومحاكمتهم.

ولن يستمر الاصطفاف خلف العبادي طويلا حيث ينتظر أن يستأنف فرقاء العائلة السياسية الشيعية مناكفاتهم المتصاعدة مع اقتراب موعد الانتخابات. ويستعدّ هؤلاء لاستئناف المعركة حول تركيبة مفوضية الانتخابات التي كانت قد بدأت مؤخّرا لكن أحداث كركوك حجبتها وأخمدتها إلى حين.

ويجادل عراقيون بأنّ الصعود إلى سدّة الحكم في العراق ليس رهين البرامج والسياسات والإنجازات بقدر ما هو وليد توافقات داخلية وصفقات خارجية اعتادت إيران منذ سنة 2003 أن تكون طرفا أساسيا فيها. ورغم ذلك فإنّ طهران لا تستطيع الرهان على “جواد” خاسر بل على طرف يمكن الاعتماد عليه، وهو إلى حدّ الآن حيدر العبادي الذي اختبرته في قضية استقلال الأكراد ويبدو أنّه نجح في الاختبار.