لا تزال الأعلام اللبنانية المرفوعة فوق خيم النازحين السوريين في عرسال ترفرف بالعشرات. كان النازحون رفعوها غداة مداهمات الجيش اللبناني لبعض المخيمات بحثاً عن مطلوبين وغداة المواجهة الدموية التي حصلت وما تلاها من تداعيات طواها الهجوم الذي شنه «حزب الله» على مسلحي «جبهة النصرة» في الجرود.
قال «أبو زياد» الخمسيني، وهو أحد النازحين من مدينة القصير السورية، إن رفع العلم اللبناني «قناعة تامة بأن البلد الذي استضافنا ونعيش فيه منذ سنوات علينا أن نحترم قوانينه ونقدر ضيافته لنا».
«أبو زياد» كان موظفاً مصرفياً في بلده، أما اليوم فيعيش في خيمة منتظراً المساعدة التي توفرها له المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومقدارها 27 دولاراً شهرياً. يمضي نهاره مع نازحين من بلدته أو من بلدة السحل في القلمون الغربي، في غرفة شيدتها الهيئة المشرفة على إغاثة المخيم، عند مدخله. يتحدثون عن أحوال بلدهم، ويتابعون أخبار القافلة التي انطلقت إلى إدلب حاملة عائلات اختارت العودة إلى أرض سورية بدلاً من البقاء خارجها.
لم تدغدغ قافلة العودة مشاعر الحنين لدى «أبو زياد» ونازحين كثر مثله، لكنها تركت املاً بامكان حصول انفراج لأزمتهم. قال «أبو أسامة» وهو مجاز في الطب البيطري إنه لن يغادر إلا إلى القصير، وحالياً هو يتجنب السير في عرسال كي «لا ندخل في متاهات أمنية». فالخوف الذي يلازم النازحين هو من «المداهمات العشوائية»، لكنه لا يعترض على «قيام الجيش اللبناني بواجبه وتوقيف المطلوبين».
رجال كثر من مخيمات عرسال الذين فروا من بلادهم من دون وثائق، لم يسووا وضعهم بعد على رغم أن الأمن العام اللبناني استحدث مركزاً داخل عرسال لتسهيل الأمر على النازحين. والحائل دون ذلك، كما يقول بعضهم «التوقيف على الشبهة أو لأن الاسم الثنائي يتطابق مع أسماء مطلوبين وقد يبقى الشخص البريء موقوفاً لأيام أو أشهر قبل أن تتبين الحقيقة».
ويتحدث هؤلاء عن توقيفات شهرية تصل إلى 120 سورياً، ويشير الكبار بالعمر منهم إلى أنهم «لا يحتملون الضرب».
 
التخفف من النزوح
في مخيمات عرسال وكما في البلدة ومحيطها الأمني شعور متبادل بضرورة عمل شيء ما للتخفف من النازحين.
فالتضييق الأمني على النازحين الذين يودون الخروج من عرسال أو الدخول اليها، تتوافر له أسباب كثيرة للتمسك به، فخسائر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في عرسال مأسوية منذ عام 2014 ولا تزال جرحاً مفتوحاً. والنازحون في المقابل يبحثون عن مخرج لمغادرة لبنان إلى سورية «لكن ليس إلى المناطق التي يسيطر عليها من هجرهم منها».
يعيد نازحون قصة السلاح في المخيمات إلى اليوم الذي نزح السوريون فيه من أرضهم قبل ست سنوات عبر الجرود مع رجالهم المسلحين وصولاً إلى عرسال وجرودها، «يومها لم يأت إلينا أحد لتجريدنا من السلاح، لأن الاعتقاد الذي كان سائداً أن النزوح لن يطول وسنعود إلى بيوتنا»، كما أن الجرود كانت مفتوحة أمام السوريين وأمام فلسطينيين أيضاً جاؤوا إلى عرسال وانضموا إلى المسلحين في الجرود وحصلت مبايعات ودخل الدعم من الأراضي السورية وتغيرت أحوال الجرود في غفلة من الدولة اللبنانية».
ويتوقف هؤلاء عند ما أظهره اتفاق وقف إطلاق النار بين «حزب الله» و «جبهة النصرة» من «أن عدد مسلحي النصرة لم يتجاوز 120 مسلحاً وثمة مقاتلون سوريون انضموا إلى «اللجان الشعبية» المتطوعة مع «حزب الله» وجاؤوا من قارة وفليطا وقتلوا في الهجوم على «النصرة» في جرود فليطة السورية ولم يأت أحد على ذكرهم. ويقدرون عدد مسلحي «داعش» بـ250 مسلحاً لا يزالون في الجرود وقيادتهم في الجرد السوري، أما مسلحو «سرايا أهل الشام» فعددهم مماثل لـ «داعش» لكن لا يزال انتقالهم إلى بلدة الرحيبة السورية يواجه عقبات حتى الأمس.
أكثر ما يشعر النازح السوري بالوحشة بعد مغادرة القافلة، أنها أقلت معها أطباء وممرضين واختصاصيين، واليوم يفتقر مستشفى الرحمة المخصص للنازحين إلى طبيب جراح وطبيب أشعة والعديد من الممرضين والممرضات. وهؤلاء لا علاقة لهم بـ «جبهة النصرة» بل فضلوا المغادرة طمعاً باستقرار مختلف».
ويقول أحد المشرفين على تنظيم العمل الإغاثي إن «بعد تثبيت وقف إطلاق النار في الجرود قدمت امرأة حامل تريد الولادة في مستشفى الرحمة وعمل الجيش اللبناني على انتقالها عند حاجز وادي حميد وحين عاينتها الطبيبة النسائية أبلغتها أنها تحتاج الى عملية قيصرية ولن تلد في شكل طبيعي، غير أن المرأة اتصلت بزوجها الذي كان خلف خطوط حزب الله لتبلغه بالأمر فرفض وأصر على الولادة الطبيعية ما دفع بالطبيبة إلى مخاطبة المرأة بالقول: إذا كان زوجك يفهم بالطب أكثر منا فليأت ويساعدك على الولادة، وعادت المرأة إلى وادي حميد من دون أن تلد على رغم إبلاغها بخطورة وضعها».
 
أبو طه «ترامب»
وقافلة صفقة التبادل، وفق النازحين تترافق مع جهود يبذلها التاجر السوري الملقب «أبو طه» العسالي لإعادة دفعات جديدة من النازحين إلى قراهم في عسال الورد وبعض بلدات القلمون الغربي. ويتحدث نازحون عن قائمة بألف اسم يرغب أصحابها بالعودة عن طريقه وإجراء مصالحة مع النظام السوري. لكن «أبو النمر» وهو من بلدة فليطة يقول إن «أبو طه» نسمع عنه أنه كان مهرباً يأتي بالبضائع من بعلبك، وصار اليوم شيخاً ووجيهاً. ويناديه البعض «ترامب».
ويشير نازحون تابعوا أحوال الذين عادوا إلى عسال الورد، إلى أنه نمى إليهم أن العائدين غير سعداء، حصلوا على بطاقات أمانة لمدة 4 أشهر فقط وهي لا تحمي أولادهم بعد مرور الفترة من الخدمة العسكرية، وأوضاعهم ليست على ما يرام. أما العراسلة فغاضبون، لأن العائدين تحدثوا أمام الإعلام السوري «عن سوء معاملة تعرضوا لها من قبل العراسلة».
 
نعود إلى مناطق آمنة
يسمع النازحون بترتيبات على مناطق آمنة داخل سورية، بعضهم يصفها بأنها «تلاعب بالألفاظ» ويسأل: «أليست معرضة للقصف؟ والبعض الآخر يصر على «أن الحل يكون بإيقاف الحرب وإيجاد حل سياسي، والأهم من كل ذلك تغيير النظام برمته». ويعتقد هؤلاء أن سورية «تقسمت سياسياً إلى مناطق نفوذ لكن سورية لا تتقسم، ومشكلتنا لا يحلها أبو طه».
ويقول «أبو أحمد»: «الحل بالنسبة إلينا هو التوجه إلى ريف حمص الشمالي، قالوا إنهم عملوا هناك منطقة آمنة فليرجعونا إليها».
ويتحلق نازحون حولي طلباً لأن أكتب نداء إلى الحكومة اللبنانية والسفارة الروسية لدى لبنان لتنظيم قافلة عودة إلى ريف حمص الشمالي، «فنحن لا أوراق ثبوتية لدينا ويعتبر وجودنا في لبنان دخول خلسة، ولا يمكننا العودة بمفردنا، المطلوب ضمانات لنا وقافلة بإشراف روسي تعيدنا ونحن كلنا مستقلون ولا علاقة لنا بأحد ونريد العودة».