في عوالم الحقل الدلالي السلطوي المعولم عموما، والعربي الإسلامي المعاصر خصوصا، تنمحي المسافات الفاصلة بين مفهومي الإرهاب والجهاد، إذ يمكن لأشخاص أو منظمات أن يجدوا أنفسهم في قوائم المجد الجهادي مساء، وأن يستيقظوا ليجدوا أنفسهم في قوائم العار الإرهابي صباحا، ذلك أن الجهاد والإرهاب في المجال التداولي السلطوي مصطلحات تدل على مفاهيم مصلحية تتعلق بتعريفنا للسياسة كميدان لمعرفة الصديق والعدو.
 

يكشف تاريخ السلطوية في العالم العربي كيف يمكن أن يتحول الجهاد إلى إرهاب أو العكس بسهولة بالغة، فأجهزة الدولة السلطوية الإيديولوجية الدينية  تتوافر على قدرة تأويلية فائقة يمكن أن تقول الشيء ونقيضه على نفس الشيء تبعا لأهواء السلطة، ذلك أن الجهاز المفاهيمي الفقهي يتسلح بترسانة من النصوص والقواعد تتبدل فيه الأحكام بتغيّر الأزمان، تبعا لهوى السلطان.

يشير التاريخ الإرهابوي المعاصر إلى أن عمليات تطويع المقاتلين تزدهر وتتكاثر في ظل شيوع أسواق الفتاوى"الجهادية" الرسمية وشبه الرسمية في الأنظمة السلطوية، وكلما كانت أسواق الفتاوى مزدهرة تعاظمت عمليات التجنيد، وإذا قورنت فتاوى الجهاد في أكبر عمليات تطويع للمقاتلين في العالم العربي والإسلامي، سنجد أن الساحة السورية 2011 تفوقت على سائر الساحات الجهادية السابقة في أفغانستان 1979والعراق 2003 بحجم ونوعية الفتاوى، وتقاطر المقاتلين.

في هذا السياق، تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن الساحة السورية استقطبت أكثر من 35 ألف مقاتل في أقل من خمس سنوات، وهي أكبر عملية تطويع للمقاتلين، بينما استقطبت الساحة الأفغانية لـ "جهاد" السوفييت بين عامي 1979-1992، قرابة 10 آلاف على أبعد التقديرات معظمهم لم ينخرط في أعمال قتالية، وشهدت الساحة العراقية بين 2003-2007، عقب الاحتلال الأمريكي تطويع قرابة 5 آلاف مقاتل من العرب والأجانب.

من أفغانستان إلى سوريا مرورا بالعراق ازدهرت سوق الفتاوى الدينية الرسمية وشبه الرسمية بالدعوة إلى الجهاد، وفي كل مرة يتحول فيها المقاتل من "جهادي" إلى "إرهابي"، ضمن عوالم الفتاوى الجهادية،  وبات الطريق إلى الإرهاب في العالم العربي معروفا، حيث يبدأ بإصدار فتاوى الجهاد  تحت ذريعة نصرة قضية خارجية عادلة، وقبل نهاية الطريق وإنجاز المهمة، تعمل السلطة على تفعيل آلة الفتوى بوصم الجهاديين بالإرهابيين.

لم يشهد سوق الفتاوى الجهادية رواجا كما حدث في الحالة السورية، حيث تحتفظ الذاكرة بأرشيف واسع من فتاوى الجهاد يصعب حصره، حيث جدل المفتين ينحصر في كون الجهاد في سوريا يقع في دائرة الجهاد العيني أم الكفائي، لكن الذاكرة السلطوية العربية ترغب بمحو بعض الفتاوى والاحتفاظ ببعضها الآخر.

 ويمكن القول أن تبدل الفتاوى الرسمية وشبه الرسمية من الدعوة إلى الجهاد والنفير في سوريا إلى التحذير والتنفير بدأت مع نضوج الثورة المضادة على ثورات الربيع العربي عقب الانقلاب العسكري في مصر وعزل أول رئيس مصري إسلامي ينتمي إلى جماعة الإخوان في الثالث من تموز/ يوليو 2013، إذ سارعت السعودية والإمارات بالترحيب بإقصاء الجماعة وعزل الرئيس محمد مرسي، وتبدلت فتاوى الجهاد، إذ لم يقتصر الانقلاب على جماعة الإخوان المسلمين في مصر على عزلها سياسيا عن الحكم والسلطة، بل تطور إلى حملة منسقة لنزع الشرعية القانونية عن الجماعة أسفرت عن وصمها وتصنيفها كحركة إرهابية بتاريخ 25 كانون أول/ ديسمبر 2013، ولم تقف عمليات نزع الشرعية عن الجماعة على وجودها في مصر، بل امتدت إلى بلدان عربية عديدة عموما وخليجية خصوصا، حيث قامت السعودية بضم الجماعة إلى قائمة المنظمات الإرهابية في 7 آذار/ مارس 2014، ثم تبعتها الإمارات العربية المتحدة في 15 تشرين ثاني/ نوفمبر2014، بوضعها على قائمة التنظيمات الإرهابية.

سوق فتاوى الجهاد في سوريا قبل الانقلاب كان مزدهرا، ولم يكن الشيخ يوسف القرضاوي الذي بات مؤخرا على لائحة الإرهابيين للدول المقاطعة لقطر وحيدا في هذا المجال، فبيان هيئة كبار العلماء في السعودية برئاسة عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ بعنوان "حرب إبادة في سوريا" في 26 حزيران/ يونيو 2013، كان واضحا بالدعوة إلى الجهاد في سوريا، حيث جاء فيه: "استعرضت هيئة كبار العلماء في الدورة الثامنة والسبعين بتاريخ 6/ 8/ 1434هـ بمحافظة الطائف ما يتعرض له إخواننا في سوريا من حرب إبادة لا يستثنى منها صغير ولا كبير ولا رجل ولا امرأة على أيدٍ تظهر العداء السافر لهذا الدين وأهله .. وتستنكر الهيئة إجرام النظام السوري ومؤازرة ما يسمى بحزب الله وإيران وروسيا له في قتل الشعب السوري وتشريده وتدميره ..  وإذ تدعو هيئة كبار العلماء الأمة الإسلامية إلى بذل كل ما في استطاعتها لنصرة المضطهدين والمجاهدين في سوريا، فإنها توجه نداءها لأهل سوريا الصامدين الصابرين ليكونوا يداً واحدة على هذا النظام الظالم المجرم ومن شايعه".

في ذروة الأزمة السورية أصدر 107 من العلماء السنة بيانا وفتوى بشأن أحداث سوريا في  7 شباط/ فبراير 2012 جاء فيه: "وندعو إلى دعم الجيش الحر وتعزيزه وتقويته والانضمام إليه للدفاع عن المدنيين وعن المدن والمؤسسات ما دامت عرضة للاستهداف، ونوجه النداء للمسلمين وللعالم الحر بدعم تشكيلات هذا الجيش ومساعدته بكل وسيلة ممكنة مادية أو معنوية، ووجوب دعم الثوار في سوريا بكل ما يحتاجونه من إمكانيات مادية أو معنوية، ليتمكنوا من إنجاز ثورتهم والمضي في سبيل نيل حريتهم وحقوقهم"، ومن الموقعين إلى جانب الشيخ القرضاوي، مفتي مصر د. علي جمعة، ومعالي الشيخ عبد الله بن بيه من موريتانيا، وتتضمن القائمة أشهر علماء السنة في العالم العربي.

فتاوى الجهاد في سوريا بلغت ذروتها قبل الانقلاب في مصر، ففي القاهرة  في يونيو/حزيران 2013  دعا المشاركون في مؤتمر "موقف علماء الأمة من القضية السورية"، إلى وجوب الجهاد لنصرة سوريا بالنفس والمال والسلاح، معتبرين أن ما يجري في أرض الشام من حزب الله وإيران وروسيا والصين، المعاونين للرئيس السوري بشار الأسد، هو "إعلان حرب على الإسلام والمسلمين"، وحضر المؤتمر الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، والشيخ محمد العريفي الداعية السعودي، والشيخ محمد حسان، ولفيف من العلماء العرب والمصريين، وعلى الجانب الآخر كانت فتاوى المرجعيات الشيعية مزدهرة في الدعوة إلى الجهاد ضد جهاديي السنة باعتبارهم إرهابيين، وفي سياق اللعبة الطائفية للسلطويات نمت واتسعت سوق الفتوى.

إلى جانب الهيئات والروابط والمؤتمرات الداعية إلى الجهاد في سوريا، يمكن الرجوع إلى مئات الفتاوى الفردية لأشهر العلماء السنة في العالم العربي، فالشيخ صالح اللحيدان أفتى بأن: "السوريون من قاتل منهم حزب الكافر بشار نصرة للإسلام وقمعاً للباطل وإعلاء لدين الله فهو مجاهد في سبيل الله"، وأفتى المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ: "بوجوب نصرة إخواننا في سوريا ودعم الجيش الحر"، أما الشيخ عبد المحسن العباد فقال: "الجهاد في سوريا يُرجى أن يكون في سبيل الله والتبرع لهم بالمال والسلاح من الأعمال الطيبة"، وأفتى بذلك للشيخ عبد العزيز الراجحي، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ عبد المحسن العباد البدر.

سرعان ما ستتبدل فتاوى الجهاد في سوريا، ففي  29  أكتوبر/ تشرين أول 2013 حذر مفتي السعودية بعض الدعاة من تشجيع الشبان على القتال في سوريا في خطبهم. وكانت تصريحات المفتي قد جاءت تعقيبا على محاضرة ألقاها بأحد المساجد بعنوان "الانحراف عند الشباب، أسبابه وطرق علاجه"، وأضاف آل الشيخ "يجب على المسلم أن يتقي الله ولا يغرر بشباب المسلمين ويستغل ضعفهم وقلة بصيرتهم ليزج بهم في الهاوية"، وحث الشبان السعوديين على عدم الذهاب للقتال في سوريا،  ثم صدرت فتوى سعودية تحرم "الجهاد في سوريا" بدون إذن السلطات.

لم تكن الفتاوى الجهادية معزولة عن الدعاية الإعلامية الرسمية بالذهاب للقتال في سوريا، حيث بات تحريض الشباب على القتال في سوريا مادة أساسية في المحطات التلفزيونية العربية الرسمية وشبه الرسمية، كما ازدهرت تصريحات الساسة بضرورة نصرة الشعب السوري، وقد شهدت معظم الدول العربية موجة من العفو عن المساجين الإسلاميين والجهاديين ودفعهم للذهاب للقتال في سوريا.

مسألة العفو عن السجناء اجتاحت العالم العربي بين 2011 و2012، وخصوصا الجهاديين، وبحسب ديفيد هيرست، أطلقت السعودية سراح 1239 سجينا من المحكومين بالإعدام -بما في ذلك متهمون بجرائم الاغتصاب والقتل العمد- شريطة أن يتوجهوا إلى "الجهاد في سوريا" حسب مذكرة مؤرخة في السابع عشر من أبريل/ نيسان 2012.

من مفارقات الإرهاب والجهاد أن الرئيس السوري بشار الأسد تماهى مع الأطروحة مبكرا، حيث أصدر عفوا عامَّا عن كافة الضالعين بجرائم مرتكبة قبل تاريخ 31 أيار/ مايو 2011، حيث شمل العفو "كل الموقوفين المنتمين لتيارات سياسية،"، وشمل العفو عن المعتقلين المنتمين إلى جماعة "الإخوان المسلمين" والجهاديين، حيث اشتهرت قصة سجناء صيدنايا ممن سيشكلون النواة التأسيسية للجهادية السورية، ومنهم زهران علّوش، قائد لواء الإسلام والذي بويع فيما بعد كقائد لـ"جيش الإسلام" وحسّان عبّود قائد "حركة أحرار الشام"، وعيسى الشيخ قائد "لواء صقور الإسلام".

خلاصة القول، إن الإرهاب المفترض لا يمكن أن يزدهر دون وجود فتاوى الجهاد الرسمية وشبه الرسمية، حيث تعمد الأنظمة السلطوية إلى فتح سوق الفتاوى الجهادية لأسباب عملية تتعلق بالحفاظ على سلطتها في الداخل وتلبية مصالح رعاتها في الخارج، ولا عجب أن تحظى الساحة السورية بأكبر سوق للفتاوى الجهادية السنية والشيعية، ذلك أن المحطة السورية جاءت في سياق حقبة تاريخية مفصلية كانت تؤذن بتغير شكل المنطقة وتعصف بمكونات الدولة المابعد كولينيالية الموصوفة بالوطنية، الأمر الذي جعل اليد السلطوية الخفية لسوق الفتاوى جلية بالتحول من الحداء بمحاسن الجهاد إلى الغثاء بقبح الإرهاب.