رغم ما تبديه الحكومة العراقية من تفهّم لمطالب إعادة مهجّري جرف الصخر إلى ديارهم، ورغم الحرج الذي تواجهه بسبب هذا الملف، إلاّ أنها تقف عاجزة عن تلبية تلك المطالب كون الموضوع موجودا بالكامل بيد الميليشيات ومن خلفها إيران التي تخضعه لحساباتها السياسية والأمنية المتداخلة مع الاعتبارات الطائفية
 

 كشفت مصادر عراقية على اطلاع بشؤون الميليشيات الشيعية في العراق عن إشراف كتائب حزب الله على معسكرات تدريب للمقاتلين العرب والأجانب في ناحية جرف الصخر التابعة لمحافظة بابل بجنوب العاصمة العراقية بغداد، والتي مضت على استعادتها من عناصر تنظيم داعش قرابة الثلاث سنوات، من دون أن يسمح لأهلها بالعودة إليها.

وقالت المصادر إن وجود هذه المعسكرات، التي يديرها حزب الله اللبناني بالتنسيق مع الفرع العراقي للحزب ومع أبي مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، وراء عدم السماح لأهلها الأصليين بالعودة إلى قراهم ومزارعهم، مشيرة أيضا إلى وجود سجن سري للميليشيات في منطقة البومريود جنوبي جرف الصخر مخصص لمعتقلين من أبناء المكوّن السُنّي يقدّر عددهم بنحو 3000 معتقل.

ومنذ استعادة الجرف من داعش والميليشيات الشيعية تفرض طوقا أمنيا محكما على المنطقة وتقطّع أوصالها بالكتل الخرسانية، للتغطية على النشاطات العسكرية الجارية فيها، ما جعلها معزولة عن الأقضية والنواحي والمحافظات المجاورة، وتبرر الحصار بترويج شائعات عبر الإعلام عن وجود ألغام وعبوات ناسفة تفرض تقييد الحركة بالقضاء.

وقالت مصادر خاصة لـ”العرب” إن المعسكرات الثلاثة الموجودة في جرف الصخر تستقبل في كل مرة أفواجا مكوّنة من نحو ألفين إلى ثلاثة آلاف شاب يتم تدريبهم فيها، لافتة إلى أن المعسكرات أقيمت على مواقع لثلاث منشآت كانت تابعة لهيئة التصنيع العسكري التي تمّ حلّها، فضلا عن ميدان الرمي المدفعي التابع لمنشأة “حطين” والموجود ضمن حدود ناحية جرف الصخر.

وشرحت أنّ المعسكرات تتخذ من مواقع منشآت القعقاع وطارق ومصنع المعتصم ومعمل الأثير للكبريت، ساحات تدريب وإيواء للمقاتلين العرب والأجانب، موضّحة أنّ أغلب المتدربين هم من عناصر جماعة أنصارالله في اليمن، وبعض الشباب من أبناء الطائفة الشيعية في بلدان الخليج يتولى تدريبهم مدربون من حزب الله اللبناني على القتال والتخريب وزرع العبوات والاغتيالات.

ولفتت إلى أنّ المعسكرات تشهد، بين وقت وآخر، تدريب عناصر باكستانية وأفغانية، لإعادة هيكلة لواءي “فاطميون” و”زينبيون” اللذين يشاركان في دعم قوات بشار الأسد في سوريا، مؤكدة أن الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس ضمن الحرس الثوري الإيراني، يشرف بشكل مباشر على هذه المعسكرات، بينما تتولى عناصر الكتائب مهمة حمايتها وتأمين الغذاء والماء لها.

ورغم المطالبات الكثيرة بتسهيل عودة المهجّرين إلى ديارهم في جرف الصخر، إلا أنّ حكومة العبادي رغم تعبيرها عن تفهّمها لتلك المطالبات بدت عاجزة عن تنفيذها، الأمر الذي فسّره كثيرون بأن الملف واقع بالكامل بيد إيران والميليشيات الموالية لها في العراق، نظرا لحساسية موقع القضاء لأمن العاصمة بغداد من جهة، وللمواقع المقدّسة لدى الشيعة في جنوب البلاد.

ويؤكّد أكثر من مصدر عراقي أن ملف جرف الصخر خاضع للإشراف المباشر للجنرال سليماني، ومن ثم صعوبة تعاطي السلطات الرسمية العراقية معه.

وحاول وزير الداخلية في حكومة حيدر العبادي قاسم الأعرجي، دون جدوى، التفاهم مع المهندس للتوصل إلى حلّ وسط بشأن مهجّري جرف الصخر يخفف من الحرج الواقع على الحكومة، لكنّه اصطدم، فضلا عن رفض نائب رئيس الحشد مناقشة الموضوع، برفض مماثل من ميليشيا بدر التي ينتمي إليها وزير الداخلية ذاته، والممثلة في معسكرات التدريب بالعضوين البارزين فيها أبي منتظر الحسيني وأبي هشام الأحمدي.

وسبق لنائب الرئيس العراقي إياد علاوي أن أعلن صراحة أن ملف جرف الصخر بيد الإيرانيين، قائلا إنه تحدّث مع المهندس وقائد بدر هادي العامري بخصوص السماح للنازحين من الجرف بالعودة إلى مناطقهم، وإنّهما لمّحا له بأن إيران أوكلت الملف لشخص موجود في لبنان، دون تحديد هويته.

ويقول عبدالكاظم العبودي، الأمين العام للجبهة الوطنية العراقية المعارضة في تصريح لـ”العرب” إن قرار اختيار منطقة جرف الصخر لتركيز معسكرات تدريب لم يأت مصادفة أو لدوافع انتقامية خاصة ضد سكانها، بل استهدف مكان هذه المنطقة المهمة التي تعدّ إحدى أهم مناطق حزام بغداد، ولتوسطها بين محافظات كربلاء وبابل وواسط والأنبار.

ويعزو العبودي مماطلة الحكومة العراقية رغم حرج المطالبة بعودة سكان جرف الصخر إلى ضغوط الميليشيات الشيعية التي قويت شوكتها كثيرا بفعل مشاركتها في الحرب ضدّ تنظيم داعش، وأصبحت تأتمر بشكل مباشر بأوامر الحرس الثوري الإيراني.

وقالت البرلمانية العراقية السابقة ندى الجبوري إن حزام بغداد تحول من منطقة آمنة وحزام أخضر إلى منطقة نزاع وصراع وعنف مسلح وما جرى في جرف الصخر واللطيفية هو نموذج للتعامل مع أهالي هذه المناطق من منظور أنهم إرهابيون.

ولا يتردّد عراقيون في ربط الحظر المفروض على عودة سكّان جرف الصخر بما يعتبرونه “مخطّطا لإحداث تغيير ديمغرافي في عدد من المناطق العراقية ذات المواقع الاستراتيجية”.

ولم يستبعد الباحث السياسي نزار السامرائي أن يتمّ التخلّص في إطار المخطّط ذاته من العناصر الشيعية الأجنبية من أفغان وعرب وغيرهم، والموجودين في النجف وكربلاء بإسكانهم في المناطق التي رحّل عنها سكّانها السنّة أثناء الحرب على داعش في عدة محافظات من بينها بابل وديالى وصلاح الدين.