«سألُوها مين ضربك... هيي بتخبركُن». بثقة كانت تواجه أمّ سمر جيرانها كلّما قالوا لها: «ييي شو بها بنتك، ليش مِزرَقّة؟». أمّا سمر، وقبل أن تفتح فاها، تتصبّب عرقاً، تتبوّل سرّاً، تنظر إلى الجيران باستغراب وكأنّ شيئاً لم يكن، مُبعدة الشبهات عن والدتها، متناسية كم من ليل لَملم نجومه على وقع صراخها... أكثر من ألف وسبعمئة حال تعنيف سجلها العام 2016، وأكثر من ألف ومئتين العام 2015، وأكثر من 700 عام 2014، وفق مرصد جمعية «حماية» التي تعنى بحماية الاطفال على الاراضي اللبنانية.
لم تتردَّد أمّ سمر، التي تعيش في عجلتون، في إرسال ابنتها إلى المدرسة رغم آثار الكدمات على جسدها، وما إن دخلت الفتاة إلى صفّها حتى صدمت الناظرة من مظهرها. وجهها مشوّه، حروق تغزو جسدها... فقرّرت عرضها على الطبيب.

بعد الكشف على سمر التي لا تتجاوز الـ12 سنة، تبيّن للطبيب آثار دعسات أقدام على جسدها، من دون أن يعرف المصدر. وما زاد الوضع غرابة أنّ سمر لم تتأفّف من وجعها، ولم يبدُ على شقيقتيها اللتين رافقتاها إلى المدرسة ايّ تعرّض لعنف.

بعد البحث والتقصّي، وسلسلة اجتماعات مع الوالدين، تبيّن أنّ والدة سمر عاشت طفولتها مع والدها وزوجته التي عذّبتها مراراً. وبعدما كبرت وتزوجت أطلقت اسم زوجة ابيها على ابنتها البكر وعنّفتها كما هي كانت قد تَعنّفت، مستغلّة غياب زوجها عن المنزل للعمل من الفجر إلى النَجر. فكانت تضرب ابنتها بكل ما توافر لها من أدوات حادة، وعندما تعجز عن اختيار أيّ آلة، كانت تضعها أرضاً محاولة لَكم جسدها والسير عليه.

العنف إلى تزايد

قلع الاظافر، غَرز سيخ، إطفاء سيجارة، حجز في المرحاض... تتنوّع أساليب التعنيف التي يشهدها مجتمعنا بحق بعض الاولاد، إلى حدّ قد يعجز البعض عن استيعابها. بيد أنّ ما تَضج به غرف الاصغاء لدى الجمعيات وما توثّقه ضمن أعمالها، وما تختزله قصور العدل من ملفات وقضايا بحق أبرياء بعمر الورد تؤكّد مرارة الواقع ووَحشيّته.

فما قاساه هادي لا يقلّ وجعاً عن سمر، إذ إنّ العالم رغم رَحابته ضاق به بعدما تطلّق والداه. لم يعد يعرف ابن الثماني سنوات إذا كانت المعاناة قد ولدت معه أو هو وُلِد قبلها، فوالده تزوج ثانية، واشترطت عليه امرأته عدم وجود ابنه في المنزل، كذلك تزوجت أمه واشترط زوجها عليها «كِلّو وَلا هادي بالبيت»، فعاش الولد متنقّلاً بين منزل شقيقاته من دون أن يعرف طعم الاستقرار.

بداية، عاش هادي في منزل شقيقته فاطمة في منطقة حي السلم، لكنها طلبت من والدها نقله إلى منزل شقيقته الاخرى رابعة، بحجّة إبعاده عن رفاق سوء الحي. فنقله الوالد عند شقيقته رابعة المتأهلة من لؤي ولديهما والدان، وهناك تجددت رحلة هادي مع العذاب، وكأنه لا يكفيه ما عاناه من إهمال ونقص عاطفي.

كان الصهر يتعمّد عند منتصف الليل إيقاظ هادي من نومه بحجة تدريسه، علماً انه لم يكن يذهب إلى المدرسة، وسرعان ما ينهال عليه بالضرب بعصا خشبية. وفي إحدى المرّات انكسرت العصا فجَلب سيخ لحم يضرب فيه، وبعدها بَنسة يقتلع له أظافره. تكرّر تعنيف لؤي لهادي إلى أن فقد صوابه وهو يضربه فحمله ورماه أرضاً، فشاهد الدم يتدفق من فمه. حاولت شقيقته مراراً التدخل لكنّها كانت تنال نصيبها من الضرب.

وبعد توقيف لؤي إعترف بفعلته مبرّراً أنه يعاني داء السكري ويتناول الادوية وحاله العصبية سيئة. وبعد التحقيق معه إعترف أنّ احدهم أقنعه بتناول الحشيشة لهبوط السكري، فراح يتعاطاها بعدما كان يشتريها بقيمة 25 ألف ل.ل. ولاحقاً ما لبث أن بدأ يشتري حبوب «ريفوتريل».

النفسي أكثر ألماً

أما بالنسبة إلى ربيع المقيم في عاليه، فتمنى ألف مرة لو «يأكل العصا» من والديه، على الاقل سيشعره ذلك بأنهما يعطيانه من وقتيهما. فمنذ أن رزقا بابن ثان، ما عادا يهتمّان لأمره، لا بل على الدوام يعيّرانه بأنّ أخيه أفضل منه بكل شيء، وانه جلب الابتسامة إلى المنزل. تدريجاً، وجد الفتى نفسه يختنق، مُجبراً على سماع الاطراء الموَجّه لأخيه والاهانات بحقه، من دون أيّ كلمة عطف تروي غليله. ومن شدة تأثره بهذا العنف النفسي، تحوّل ربيع شخصاً عدائياً مع أخيه، يخشى والده ومواجهة المجتمع، فغلبت «التأتأة» على لسانه.

تختلف طبيعة العنف المتغلغل في مجتمعنا، وبحسب إحصاءات «حماية»، يحتل الإهمال الدرجة الاولى 871، يليه التعنيف النفسي 391، الجسدي 368، والجنسي 112. أما بالنسبة إلى الحالات التي استقبلتها وساعدتها، فيبرز جبل لبنان في المرتبة الاولى 383 حالة، تليه بعلبك 375، عكار 253، بيروت 250، زحلة 225، زغرتا 203، وصيدا 53.

الاسباب... والمواجهة

الضائقة الاقتصادية، نقص الوعي، العنف في الصغر، ضيق الوقت... تتعدّد الاسباب التي يتحوّل فيها المرء معنّفاً. في هذا السياق تتحدث المعالجة النفسية في جمعية «حماية» لين خليل لـ«الجمهورية» عن أهميّة محاربة العنف، قائلة: «من خلال عملنا ضمن برنامجين «الوقاية» و«الحصانة والمرونة» نسعى إلى تأمين بيئة خالية من العنف، لذا نحارب 4 أنواع منه: «العنف المعنوي النفسي، الجسدي، الجنسي، والاهمال. إنّ برنامج الوقاية يطور مهارات الحماية الذاتية لدى الفرد، فيما برنامج الحصانة والمرونة يخوّله استعادة توازنه بعد تعرّضه لأيّ نوع من التعنيف».

وتضيف: «نُعدّ دورات للاهل والاولاد من خلال متخصّصين يُثقفونهم على سبل تفادي العنف، اللمس الخاطئ وغيرها من المواضيع المتشعّبة التي تختلف بحسب هامش العمر الذي نتوجه له».

دورات، أنشطة رياضية، تمارين، تتعدّد الوسائل التي تستخدمها «حماية» في محاربتها للعنف، فتقول خليل: «ما إن نتبلّغ بوجود حال تعنيف، حتى تتواصل المرشدة الاجتماعية مع المُعنف وذوية، فتقوم بزيارة أوّلية، محاولةً التقصّي عن أكبر قدر من المعلومات، تحاول مع المعالجة النفسية استكمال الملف من خلال 3 لقاءات بحسب ظروف العائلة وطبيعة التعنيف». وتضيف: «بعد تقويم الواقع، نحاول تحسين بيئة وجود الشخص المعنّف.

لذا، قد نَنقله عند جدته أو أحد أقربائه لمعالجة الموضوع، محاولين عدم سلخه عن أجواء بيئته، أمّا إذا كان الوضع محرجاً ولا بديل قريباً له، فإننا نقدّم إخباراً. والقاضي، في ضوء الملف، يُقرّر توجيهه».

تأسف خليل، لكون «الأب غالباً ما يكون المعنِّف لأولاده، ثم الوالدة، الخال، العم، والجد». وما يزيد «الطين بلّة» بحسب تعبيرها «أنّ العنف قد يفهمه الاولاد وسيلة تعبير عن الحب نظراً الى انه يصدر عن أهلهم، وقد يعتقدون أنّ ما يعيشونه هو أمر طبيعي، أو أنهم «يستأهلون» هذا النصيب من التعنيف»، لذا نجد صعوبة في أن يُفصحوا عن معاناتهم».

التبليغ

غالباً ما لا يعترف الاهل بأنهم يعنّفون أولادهم، على اعتبار أنهم يؤدبونهم بأسلوبهم الخاص، أو أنهم يوفّرون لهم كل احتياجاتهم فيُهملون المنحى العاطفي والاصغاء لهم، فيعنّفونهم بطريقة غير مباشرة. أيّاً يكن واقع الحال، تبدو ثقافة التبليغ عن وقوع حال تعنيف شبه غائبة. فمن خلال الرقم الساخن الذي تضعه «حماية» 414964-03، يتبيّن أنّ 14 في المئة فقط هي نسبة تبليغ المواطنين عن حالات تعنيف في محيطهم، فيما 39 في المئة من الحالات اكتشفتها الجمعية خلال أنشطة لها في المناطق اللبنانية، و21,5 في المئة حالات أحالتها لها منظمات دولية غير حكومية. لذا، تُشدد خليل على «أهمية التبليغ عن أي حالة قد يتعرض لها الولد عبر الخط الساكن، لا سيما انّ التعنيف في الصغر كالنَقش في الحجر».

ختاماً، قد لا تعكس أرقام حالات العنف التي رصدتها «حماية» واقع الحال على المستوى الوطني، إلّا انها تُخفي في طيّاتها مؤشرات لا يمكن الاستخفاف بها، وتستدعي دق ناقوس الخطر، خصوصاً انّ معظم إحصاءات الجمعيات التي تعنى بمحاربة العنف وحماية الاطفال تتلاقى على أنّ هذه الظاهرة الى تزايد، خصوصاً مع تدهور الاوضاع الاقتصادية وتفَشّي البطالة.