لعلّها أكثر جلسة أراها حتى الآن مثيرة للدهشة والاستغراب معاً. إذ كيف لبائع بسيط مهجّر، أن ينام مرتاحاً والأغاني تصدح من فمه تملأ المكان، على رغم أنّ الشمس كانت محرقة وقت الظهيرة والجو العام لا يدعو إلى أيّ ارتياح يُذكر.
إنها جلسة حسن الشعّار بائع البطيخ تحت الشمس، جلسة اللامبالاة بكل ما يدور من حوله في العالمين القريب والبعيد، فلحَسَن عالمه الخاص المتمثّل بالـ«بيك أب» والميزان والبطيخ وزبونه وأقصى أمانيه في هذا العالم الخاص به أن يبيع ما لديه من بطيخ ويعود مساءً إلى المنزل بقُوتِه وقُوتِ عياله.

جلسة لا مبالاة

على طريق البحر في عكار قبَيل مفترق حمص بقليل، ينام السوري حسن الشعّار تحت سيارته «البيك أب» وعلى شماله الميزان، ومن فوقه البطيخ في انتظار نفاد الكمية والعودة إلى منزله المستأجر في البيرة في دُريب عكار.

عند الاولى ظهراً وقت «طَقّة الشمس» الحارّة، يعتمر الشعّار قبعته مستلقياً على الأرض مُطلقاً العنان لصوته يصدح بأغنيات من «اختراعه»، أمّا الأغنية الأكثر ترداداً على لسانه، فهي: «مو همّي شمس ومرّيخ... قنابل وَلا حتى صواريخ... هُوّي ينباع البطيخ... والباقي كلو بطيخ».

المهم البطيخ ينباع!

في سوريا كان حسن بائع جملة وكانت أوضاعه أفضل إلى أن أطلّت الحرب بأوزارها وغيّرت كل شيء. فمنظر حسن وهو نائم تحت «البيك أب» يثير كثيراً من التساؤلات لدى من يراه. فهذا أول بائع بطيخ يركن بسطته بجانب الطريق وينام ويصدح بالأغاني.

وحسن مواطن سوري من حمص لاجئ إلى لبنان ويسكن في قرية البيرة - عكار. أمّا بطيخه فهو على حدّ قوله، «بقاعي ومن أحسن الأنواع». يأتيه البطيخ عبر التاجر كلّ صباح من البقاع ليبيعه على الطريق فيحصّل ثمنه مع ربحه اليومي لتأمين إيجار المنزل وقوت العائلة.

يهمّه بطيخه وكفى

سألنا حسن عن الأوضاع السياسية والأمنية في كل من سوريا ولبنان ورأيه في ما يجري من حوله في البلدان العربية. لا يبدو حسن مهتماً لأيّ شيء من هذا القبيل، فكل ما يهمه بطيخه وكفى.

ويقول في حديثه إلى موقعنا: «ما يحصل في سوريا من قتل للشعب هو فقط ليبقى أصحاب الكراسي على كراسيهم، أما الفقراء مثلنا فلا أحد يفكّر في أمرهم». وبالنسبة إليّ «فسواء خربِت أو عمرِت كلّ ما يهمّني بيع البطيخ والباقي كلّو بطيخ يكسّر بعضو».

ما حدا بيستاهل

ولدى حسن كما لدى كثير من الشباب العربي نقمة على هذه «الأنظمة التي لا ترحل وإن رحلت حلّ مكانها الخراب والدمار». ويقول: «لقد هجّرونا من بلادنا وأرضنا ومنازلنا لأجل مصالحهم ولا أحد يهتم لأمرنا بعد التهجير، لا أحد منهم يستحق البكاء عليه.

أنا لا أهتم بما سيحصل في سوريا وكذلك في لبنان ولا تعنيني المعارضة ولا النظام بشيء فكلهم ضد الشعب، فليقتلوا بعضهم حتى يفني الواحد منهم الآخر، وأنا مع بطيخاتي أنام ملء جفوني عن شواردها».

البطيخ بـ 400 ليرة

من طرابلس حتى العبدة في عكار، كيلو البطيخ بـ 800 ليرة لبنانية أو بـ 1000 ليرة، بينما عند حسن الشعّار الكيلو بـ 400 ليرة. يحاول حسن كسر سعر السوق ليبيع بسرعة فيرتاح من التعب تحت الشمس معتبراً «أنّ الربح الكثير ليس غايته، فهذا الشعب فقير مثلي وعلينا الاهتمام ببعضنا بعضاً لأنّ الحكّام نسيونا».

فإذا تغيّر النظام!

لا يدري حسن إن كانت الأيام المقبلة ستحمل إليه ولعائلته بشائر العودة من جديد إلى الوطن الأم سوريا، لكنه في المقابل يعيش في لبنان ويكمل حياته كيفما كانت الظروف. لا يعنيه نظام كما لا تعنيه معارضة، وفي هذا الإطار يقول: «لا يعنيني إن بقي النظام أم تغيّر، ولا إذا حكمت المعارضة أم لم تحكم، لقد خرّبوا سوريا وهجّروا أهلها وشردوهم ولم يعد هناك ما نحزن عليه».

هكذا عبَّر حسن الشعار بلسانه عمّا يشعر به ملايين اللاجئين في العالم وما يشعر به شعب بكامله اضطرّ رغماً عنه الى مغادرة بلده وأرضه مخلّفاً وراءه أرزاقه وكل ما يملك من أجل سياسات وغايات لا ناقة له فيها ولا جمل.

يأس!

تبدو حال هذا المواطن السوري كحال كثير من المواطنين في البلدان العربية التي تشهد الحروب والنزاعات الضارية بين أنظمة الحكم ومعارضيها من أجل السلطة والتحكم بها وبموارد البلاد.

وقد أدّت هذه النزاعات العقيمة إلى تفشي اليأس حول مستقبل أفضل لدى الشعب المقهور، المغلوب على أمره. فلقد أوصلت الأنظمة العربية شعوبها إلى حالة من الانهيار النفسي والاجتماعي ويأس ما بعده يأس، فلم تعد تعنيهم تفاصيل الحكّام والسّاسة ونزاعهم على الحكم والمناصب.

ربما كان حسن وأمثاله هم الوحيدون في هذا العالم على حق. ففي زمن تغيّرت فيه المفاهيم والقوانين، في الزمن الذي تشاهد فيه الغرائب ولا تفهمها، وترى أنّ كل ما يحدث لا يمكنك أن تغيّر فيه شيئاً، فما عليك سوى اختراع عالمك الخاص والعيش فيه بسلام واطمئنان.