توجّس إيران من خطوات التقارب المتسارع بين رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي والإدارة الأميركية بقيادة دونالد الترامب، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر على النفوذ الإيراني في العراق، قد يصل حدّ التفكير في استخدام الميليشيات الشيعية الموالية لطهران في إسقاط العبادي من السلطة بحسب ما باتت تصرّح به قيادات كبرى في تلك الميليشيات.
 

تتحدث قيادات في قوات الحشد الشعبي عن ضرورة القيام بانقلاب عسكري في العراق لانتزاع السلطة من رئيس الوزراء حيدر العبادي، الذي يواجه حملة شرسة تتهمه بـ”العمالة المطلقة للولايات المتحدة”.

ويعكس ذلك مقدار قلق كبار قادة الميليشيات الشيعية المشكّلة للحشد من التقارب الملحوظ بين العبادي وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو قلق معبّر في جوهره عن موقف إيران التي تقف خلف تلك القيادات، والمتوجّسة من أن يصبح الرجل أداة أميركية لمحاصرة نفوذها في العراق.

ويقول أوس الخفاجي، وهو قائد ميليشيا أبوالفضل العباس، إحدى فصائل الحشد التي تنشط بالقتال إلى جانب قوات بشار الأسد في سوريا، فضلا عن قتالها ضدّ تنظيم داعش في العراق، إن الانقلاب العسكري وعزل حكومة العبادي، هو السبيل الوحيد لاستعادة القرار العراقي المرتهن لواشنطن.

ويُتّهم العبـادي بالتستر على انتشار الآلاف من الجنود الأميركيين في عدد من المواقع داخـل العـراق، لا سيمـا شـرق محـافظة ديالى قرب الحـدود مـع إيـران، وغـرب محـافظة الأنبار الحدودية مع كل من سوريا والأردن.

ويخيم التوتر على العلاقة بين عدد من قادة فصائل مسلحة معروفة بموالاتها لإيران ورئيس الوزراء منذ عودة الأخير من زيارة إلى الولايات المتحدة، تسرّب أنه وعد الرئيس ترامب خلالها بحل قوة الحشد الشعبي.

وبلغ التوتر مداه بين الجانبين بعد الهجوم الصاروخي الذي نفذته الولايات المتحدة على قاعدة الشعيرات الجوية السورية فجر الجمعة الماضية.

وأشعل تسجيل مصور، مطلع الأسبوع، يظهر جنودا أميركيين يوزعون أسلحة على عسكريين عراقيين في موقع بمحافظة الأنبار، قرب الحدود السورية، حملة من قبل قيادات الحشد الشعبي ضد العبادي يجري خلالها اتهامه بتسليم القرار العسكري إلى الجيش الأميركي. وفي فيديو آخر، تَظهر طائرة عسكرية وهي تنزل جنودا ومعدات متنوعة في منطقة جبلية قيل إنها تابعة لمحافظة ديالى المحاذية لحدود العراق مع إيران.

وبالرغم من أن وسائل إعلام محلية أكدت أن هذا الفيديو سجل في شمال إسبانيا لتمرين عسكري تعبوي، وليس في العراق، إلا أنه ظل يستخدم دليلا على “خيانة” العبادي، و”عمالته”، وهما صفتان أصبحتا رائجتين في المنابر الإعلامية وداخل بعض الأوساط السياسية الشيعية العراقية.

ويقول مراقبون في بغداد إن الحملة الشرسة الموجهة ضد العبادي، تأتي ردا على خطته بعزل قيادات فصائل الحشد الموالية لإيران عن المقاتلين في هذه الفصائل، وهي الخطة التي بدأ رئيس الوزراء بتنفيذها بعد انتهاء أعمال القمة العربية في عمّان، بالتوازي مع إدلائه بتصريحات تطمئن مقاتلي الحشد على مستقبل هذه القوة.

وتكشف مصادر رسمية مطلعة في بغداد، أن خطوة العبادي القادمة، بعد طمأنة مقاتلي الحشد، هي الطلب من جميع الفصائل المسلحة تسليم أسلحتها الثقيلة.

غير أن ذات المصادر تتوقع أن يؤجل العبادي إعلان حملته لسحب السلاح الثقيل من الميليشيات إلى ما بعد الانتهاء من عملية استعادة قضاء تلعفر بغرب الموصل من تنظيم داعش، وذلك بعد استكمال عملية استعادة مدينة الموصل التي تقترب من نهايتها.

وتلعفر الواقعة على الطريق بين الموصل والأراضي السورية، هي الموضع الرئيسي لمشاركة الحشد الشعبي في حملة نينوى العسكرية، وقد أوكلت إليه مهمّة قطع ذلك الطريق ومنع التواصل بين مقاتلي داعش في كلّ من الموصل العراقية والرقّة السورية. ويبدو أن الحديث عن زيادة كبيرة في عدد الجنود الأميركيين العاملين في العراق، لم يأت من فراغ. فعمليا، أكمل الجيش الأميركي جميع مستلزمات إنشاء قاعدة عسكرية مؤقتة قرب منطقة الرطبة التي تقع على مسافة نحو 400 كلم غرب مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار، وفقا لمصادر عراقية تؤكد أن هذه القاعدة ستشكل مركزا للعمليات التي تستهدف تأمين الطريق الدولي الذي يربط العراق بكل من الأردن وسوريا.

ويهيمن مقاتو كتائب حزب الله ومنظمة بدر، المواليتين لإيران، على أجزاء واسعة من الطريق الدولي لا سيما العُقد الرئيسية التي تربط العاصمة بغداد بمحافظة الأنبار.

وتقول المصادر إن الجيش الأميركي يسعى لاحتواء خطة ينفذها الحشد الشعبي، وتستهدف إنشاء معسكرات في ثلاثة مواقع في محيط محافظة الأنبار، من الجهات الشرقية والشمالية الغربيـة والغـربية، تحسبا لأي “تمرد سنّي” مستقبلي في هذه المحافظة التي تصنف منذ 2003 على أنها ساخنة.

وتقول المصادر إن تحركات الحشد في الأنبار تثير حفيظة العبادي، لكنه عاجز عن احتوائها بسبب اتساع مساحة هذه المحافظة وطابعها الصحراوي وانشغال القوات العراقية بمعركة الموصل، لذلك قد يتولّى الأميركيون القيام بهذا الدور.

ويعمل مستشارون عسكريون من الجيش الدنماركي بإشراف عسكري أميركي على تدريب وتسليح 2500 مقاتل من الأنبار في قاعدة عين الأسد غرب المحافظـة. وينتظـر أن تعمـل هـذه القـوة إلى جـانب القوات الأميـركية في تأمين المناطق الصحراوية بالأنبار.

وبعيدا عن التسريبات تؤكّد مصادر سياسية وعسكرية عراقية وجود اهتمـام فعلي من قبل الولايات المتحـدة بالتمـركز في منـاطق غرب العراق وشرق سوريا كون تلك المناطق تمثّل مفتاحا من مفاتيح محاصرة النفوذ الإيراني عبر إنشاء “سدّ” يمنع التواصل الحرّ بين طهران ودمشق مرورا بالأراضي العراقية.