دعا السناتور الأميركي جون ماكين، في ذكرى مرور ست سنوات على اندلاع الأزمة في سوريا، خلال شهر مارس الماضي، إلى بلورة استراتيجية جديدة في ما يخص سوريا تحديدا، وهو أمر قال إنه بات ضروريا أكثر من أي وقت مضى. وأكد إعلان نيكي هايلي للسفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة أن إبعاد الرئيس السوري بشار الأسد لم يعد أولوية لسياسة واشنطن في سوريا، إن هناك فعلا استراتيجية جديدة بصدد التبلور، الأولوية فيها كما قالت هايلي “هي البحث عن كيفية إنجاز الأمور”.
 

ترتب إدارة البيت الأبيض شؤون إدارة الصراع في سوريا وفق حسابات أميركية خاصة معنية بكيفية توزيع جهودها العسكرية وتنسيق خطوطها بين كافة مؤسسات الأمن والعسكر لصالح العنوان الرئيسي الذي أعلنه ويكرره الرئيس دونالد ترامب: هزيمة تنظيم داعش.

تحت سقف هذا العنوان تخاطب واشنطن عواصم العالم، وحول هذا الشأن يتداول ترامب مع المتوافدين صوب البيت الأبيض. وللمراقب أن يستنتج أن إدارة الرئيس الجديد التي تتوسل تموضعا نهائيا داخل حقبة ما بعد أوباما، وجدت عنوانين يحظيان بإجماع، هما مكافحة تنظيم داعش وتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة. وبين هذا وذاك، وعلى الرغم من عناد “الدولة العميقة” لهوايات ترامب الروسية، يبقى خيار التفاهم مع موسكو خيارا عتيدا وإن تبدلت أدوات مقاربته.

ولن يخفى على المتأمل لعلاقة البيت الأبيض بالكرملين منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، أن واشنطن وموسكو حافظتا على تعايش يميل نحو الإيجابية، بمعنى أن ما صدر عن الإدارة الأميركية ضد موسكو لا يتجاوز الخطوط القصوى التي وصلت إليها إدارة أوباما، وأن الكرملين لم يلمس، كما بقية الأطراف المعنية، مصداقية تصاحب انتقادات المنابر الدبلوماسية الأميركية للسياسة الروسية في أوكرانيا، ولم يجد ما هو لافت في تجديد واشنطن إدانتها لموسكو ضم شبه جزيرة القرم.

ولن يخفى على المتأملين أيضا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورغم الملفات الأميركية التي تتهم روسيا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية سابقا والتدخل في الانتخابات الفرنسية والألمانية لاحقا، بقي متمسكا بلهجة هادئة في التعامل مع “الاستفزاز” الأميركي، وكأنه بذلك يعبر عن تضامن مضمر مع الرئيس ترامب وعن تفهّم للظروف التي تكبل يد نظيره في البيت الأبيض في مسألة الاندفاع نحو ما وعد به أثناء حملته الانتخابية من تعاون مع روسيا وودّ مع رئيسها.

وفي ما رشح من التكتيكات العسكرية الجديدة للولايات المتحدة في العراق وسوريا، وفي ما صدر عن وزارة الخارجية الأميركية وحركة وزيرها ريكس تيليرسون، وفي ما يصدر عن الناطق باسم البيت الأبيض كما عن سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، ما يكشف خارطة شفافة لدبلوماسيي واشنطن وأمنييها وعسكرييها.

وتلتقي خطوط تلك الخارطة داخل هدف القضاء على داعش مع ما يستلزم ذلك من تفاهمات مع حكومة حيدر العبادي في العراق ومع قوات سوريا الديمقراطية الكردية (العصب) في شمال سوريا مع السعي إلى عدم القطيعة مع تركيا أردوغان وإهمال أي جهد قد ينافس تلك الحصرية التي تتمتع بها موسكو في إدارة ملف الصراع بين نظام ومعارضة في سوريا.


أولويات واشنطن

على خلفية ورش الانتصار على داعش وتقويض نفوذ إيران في المنطقة ترسم واشنطن أولوياتها، وعلى خلفية هذين الهدفين تعيد الإدارة الأميركية رسم تحالفاتها العربية.

سبقت زيارة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الأولى إلى واشنطن (فبراير الماضي)، والتي شكّلت أول لقاء للرئيس ترامب بزعيم عربي، تصريحات أدلى بها (ديسمبر) رئيس هيئة الأركان المشتركة، الفريق الركن محمود فريحات يعلن فيها أن الأردن لم يدعم المعارضة ضد نظام دمشق وأن جهود الأردن في التعامل مع تلك المعارضة لا يتجاوز هدف محاربة داعش.

وفيما فهم من رسائل فريحات إعادة تموضع أردني قريب من الاستراتيجية الروسية في الشأن السوري، فهم من عدم تغير هذا التموضع بعد عودة الملك عبدالله الثاني من واشنطن بأن الأجواء في البيت الأبيض ليست بعيدة عن أجواء الكرملين في مقاربة هذا الملف.

ويرشح من اجتماعات ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن عزم على تأكيد التحالف التاريخي التقليدي بين الرياض وواشنطن من جهة، وعلى تفعيل الحلف الإسلامي ضد الإرهاب من جهة ثانية، وعلى توسيع التحالف الأميركي الروسي باتجاه القاهرة.

وعلى قاعدة ذلك يستقبل الرئيس الأميركي الرئيس الفلسطيني محاولا العزف على وتر “المسألة الفلسطينية” في ترتيب إيقاعات المشهد الكلي. لكن من تقاطع واشنطن والرياض تتقدم أولوية تجبّ أي أولوية أخرى: ضرب التمدد الإيراني في المنطقة. وعليه فإنه يصحّ إسقاط أولويات أخرى.

وبناء على فلسفة الأولويات الأميركية التي تقودها روح عسكرية يمليها وزير الدفاع الأميركي جيس ماتيس، تعلن واشنطن أن رحيل الأسد ليس أولوية في خططها وأن مصيره “يقرره الشعب السوري”.

لا يتخلى هذا الإعلان عن هدف سابق ولا عن استثمار واعد. فلم تَعِدْ واشنطن أوباما بإسقاط الأسد ولم تعمل على ذلك، ولو كانت جدية في ذلك لكان مصير نظام الأسد هو مصير ذلك في أفغانستان- طالبان والعراق- صدام ويوغسلافيا- ميولوفيتش وليبيا-القذافي، إلخ.

على ذلك يبدو الإعلان الحدث، الذي يظهر في قراءة متعجلة وكأنه باكورة تحوّل في موقف واشنطن، متّسق تماما مع سياسة قديمة سلّمت لواشنطن مقاربة الملف السوري في الشأنين العسكري والدبلوماسي، وبالتالي يعيد تمديد الوكالة التي منحتها واشنطن إلى موسكو في هذا الملف عشية الزيارة التي سيقوم بها وزير الخارجية الأميركي لروسيا والتي ستشكّل أول اتصال رسمي على هذا المستوى بين إدارة ترامب وإدارة بوتين منذ الاتصال الهاتفي البروتوكولي للزعيمين في نوفمبر الماضي.

وأد عقيدة أوباما

تود واشنطن ترتيب أوراقها الدولية من خلال حسن ترتيب أوراقها مع موسكو. ولا يستطيع دونالد ترامب الذهاب بعيدا في مواجهته للصين دون أن يعرف أين سيكون موقع روسيا من تلك المواجهة.

تبدو الإدارة الأميركية الجديدة عازمة على وأد عقيدة أوباما وعلى العودة بقوة وحيوية إلى المشهد الدولي العام وإلى الشرق الأوسط خصوصا.

وتبدو هذه الإدارة عازمة على إعادة ديناميات الصراع التقليدي بين القوى العظمى متخلّصة من أجندات القوى الإقليمية المحلية. وبات هدف تقويض النفوذ الإيراني خارج إيران جزءا من هذا السياق، وربما أن الأمر سينسحب على طموحات تركيا خارج حدودها.

ليس صدفة أن تتقاطع أجندتا موسكو وواشنطن في سياق واحد هدفه إضعاف العامل التركي داخل الصراع السوري.

ولن يكون مفاجئا أن تلتقي مصالح روسيا مع خطط الولايات المتحدة حيال إيران، فإذا ما فهم أردوغان استحالة التفاهم مع بوتين في ما يتجاوز حدود ما تقبله موسكو في سوريا على ما كشفه الغضب التركي المعلن، فإن إيران فهمت منذ زمن أعراض تناقض مصالحها مع مصالح روسيا، وهي تحاول، من خلال زيارة الرئيس حسن روحاني الأخيرة إلى موسكو على الأقل، تأجيل الصدام وحتى عدم تصديقه.

أن لا تعتبر واشنطن أن إزاحة الأسد أولوية فذلك أن مصير نظام دمشق برمته بات رهن مشهد دولي يعاد تشكّله. وهي وإن تسلّف شريكها الروسي العتيد موقفا غير مكلف، فإن رهانها على إخراج النفوذ الإيراني من سوريا وجد لدى العواصم العربية التي قاربتها كما في موقف القمة الأخيرة في البحر الميت ما يفيد أيضا أن أولوية العرب في التخلص من نفوذ إيران أعلى من التوقف عند مصير الأسد.

في ذلك من يرى أنه ماذا يبقى من الأسد دون نفوذ طهران ودعم ميليشياتها؟ في ذلك تماما ما يقلق إيران التي لا يطمئنها موقف واشنطن الجديد من مصير الأسد.

محمد قواص