خلافاً لما يعتقده اللبنانيون، لا يشغل بال المجتمع الدولي  تصريحات الرئيس ميشال عون عن ضعف الجيش اللبناني، وضرورة التمسك بميليشيا "حزب الله".

وقد تبدو السفيرة الأميركية شخصية ذات وزن في لبنان، لكن وزير الخارجية الأميركية نفسه، ريكس تيلرسون، فاقد توازنه، ولم يطلق أي تصريح عن الشرق الاوسط منذ جلسة الكونغرس للمصادقة على تعيينه. أما مجلس الأمن القومي الأميركي، الذي استقال رئيسه مايكل فلين، فما زال يحاول بناء كادره تحت قيادة رئيسه، المعين حديثاً، هربرت ماكماستر.

منطقة النفوذ الوحيدة في السياسة الخارجية الاميركية تأتي حالياً من بعثة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة برئاسة نيكي هايلي، والأخيرة حديثة العهد بالسياسة الخارجية على أنواعها، وهي وبعثتها مستقلتان عن وزارة الخارجية، وسفيرة أميركا في لبنان لا تعمل بالتنسيق معها. إذاً، من شبه المستحيل أن تكون سفيرة أميركا في لبنان إجتهدت من تلقاء ذاتها وهددت بسحب قوات حفظ السلام (يونيفيل) من جنوب لبنان، في غياب موقف أميركي محدد عن الموضوع. وحتى لو خرجت واشنطن بموقف يقضي بسحب اليونيفيل من لبنان، فإن القرار سيحتاج موافقة الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وخصوصاً دائمة العضوية منها، وهو ما لم يتوافر بعد.

الأرجح أن السفيرة الاميركية، أثناء لقائها وسفراء الدول الكبرى مع عون، كررت نقاط الكلام الاميركية المعروفة لناحية التمسك بقراري مجلس الأمن 1559، القاضي بنزع سلاح كل الميليشيات في لبنان، و1701، الذي يعزز القرار 1559 ويناقضه في الوقت نفسه بدعوته الى سحب سلاح "حزب الله" إلى شمال نهر الليطاني.

السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب تفترق بشكل جذري عن سياسة سلفيه جورج بوش وباراك أوباما حول الموقف من إيران و"حزب الله". في زمن بوش، كان موقف واشنطن من الحزب اللبناني معارضاً للحزب علناً، ومؤيداً لدوره في لبنان ضمناً. "اتفاقية الدوحة"، التي سمحت لحكومة لبنان بالتراجع عن قرار تفكيك شبكة اتصالات "حزب الله"، تمت بموافقة بوش وإدارته. أوباما، بدوره، رأى في "حزب الله" عامل تثبيت للأمن في لبنان، فانخرطت واشنطن -عبر بعض الوكالات الحكومية الامنية اللبنانية- بالتواصل مع الحزب حول شؤون الاستخبارات والأمن. حتى موقف واشنطن من إكتساح معقل الصيداوي أحمد الأسير، جاء مشابها لموقف "حزب الله" الذي أسمى الأسير إرهابياً، فيما الأسير في الواقع ليس مصنفاً ارهابيا حسب لوائح وزارة الخارجية الأميركية.

وموقف أوباما الإيجابي من "حزب الله" لم يكن بعيداً عن موقف الاسرائيليين، الذين ينعمون بالتزام الحزب ببند "وقف الاعمال العدائية"، الذي يفرضه القرار 1701، وهو بند بمثابة هدنة بين لبنان واسرائيل. ويعلم الاسرائيليون أن لا مقدرة للدولة اللبنانية، مع رئيسها "القوي"عون وجيشها "الضعيف"، تطبيق هدنة 1701 من دون "حزب الله". إذاً، اسرائيل سعيدة بالتزام الحزب بالقرار الأممي، ويردد المسؤولون الإسرائيليون، أمام نظرائهم الأميركيين، أن حدود إسرائيل الشمالية مع لبنان تنعم باستقرار وهدوء غير مسبوقين منذ العام 1969.

حتى الآن، لا سياسة خارجية لترامب، ومواقفه الوحيدة مستقاة من السياسة الخارجية لإسرائيل، والقاضية بالضغط على إيران ديبلوماسياً من باب الإرهاب لإجبارها على خرق بنود الاتفاقية النووية، وتالياً تقويضها وعودة العقوبات الدولية القاسية على طهران. كذلك تقضي سياسة اسرائيل بدعم مصر والدول العربية المطالبة بتصنيف "الإخوان المسلمين" وكل التنظيمات الاسلامية إرهابية، مع ما يعني ذلك من إطباق الخناق العربي على حركة "حماس" الفلسطينية، ومع ما يعني ذلك من دعم اسرائيل مع مصر وحلفائها العرب، للرئيس السوري بشار الأسد ونظامه، ضد المعارضة السورية.

لا أميركا ولا المجتمع الدولي حانق على انحياز عون لـ"حزب الله" على حساب دولة لبنان وجيشه، ولا السفيرة الأميركية هددت بسحب قوات حفظ السلام الدولية من لبنان، ولا إسرائيل تنوي شن حرب ضد "حزب الله" في لبنان غير الضربات الجوية التي تمنع الحزب وايران من التمدد نحو محافظة القنيطرة السورية المجاورة لهضبة الجولان المحتلة. 

العالم، بما في ذلك أميركا واسرائيل، راضٍ على وضع لبنان و"حزب الله"، بل إن اسرائيل سعيدة بتورط الحزب وانشغاله في سوريا، وسعيدة بهدوء حدودها مع لبنان. وحدهم بعض اللبنانيين ما زالوا يعتقدون أن العالم يكترث لدستورهم أو جيشهم أو مؤسساتهم، وهو إعتقاد أقرب إلى التهريج منه إلى الواقع.

 


حسين عبد الحسين