الاحتجاجات التي تهزّ العاصمة العراقية بغداد والتي انزلقت باتجاه العنف لا تخلو من التعبير عن حالة من الغضب الشعبي العام على تردّي الأوضاع في مختلف الأصعدة، ولكنّها ذات صلة أكبر بالصراع على السلطة بين كبار فرقاء العملية السياسية، حيث لا يزال الشارع العراقي قابلا للتوظيف من قبل هؤلاء الفرقاء.
 

وضعت الاحتجاجات العارمة التي فجّرها التيار الصدري في العراق والتي اتخذت منحى دمويا بسقوط قتلى وجرحى في العاصمة بغداد، زعيم التيار مقتدى الصدر في مواجهة جديدة مع خصمه وغريمه اللدود، رئيس الوزراء السابق نوري المالكي المستهدف الأول من تحرّكات الصدر الهادفة إلى تغيير تركيبة مفوضية الانتخابات وتعديل قوانينها، والتي لطالما استخدمت من قبل المالكي وحلفائه من داخل العائلة السياسية الشيعية ومن خارجها للوصول إلى المراكز القيادية في البلاد، وهو الأمر الذي يبدو زعيم الصدريين غير مستعدّ للقبول بتكراره خلال المناسبات الانتخابية القادمة.

وجاء التصعيد في الشارع ليؤشّر على بلوغ الصراع بين الطرفين نقطة اللاعودة، حيث يبدو المستقبل السياسي لكل منهما متوقّفا على إلغاء الآخر و”إعدامه” سياسيا.

وفي مختلف حلقات الصراع على السلطة بين فرقاء العائلة السياسية الشيعية في العراق، لا يستثني هؤلاء استخدام ما بين أيديهم من سلاح في تصفية حساباتهم، الأمر الذي يضيف سببا آخر للتوتر والمزيد من تعقيد الوضع الأمني.

وفيما كانت المواجهة محتدمة بين المتظاهرين والقوات الأمنية، تساقطت صواريخ الكاتيوشا على المنطقة الخضراء مقرّ أغلب مؤسسات الدولة والبعثات الدبلوماسية الأجنبية، منطلقة من منطقة البلديات التي تعتبر أحد مراكز أتباع الصدر في بغداد. وتبرّأ الصدريون من إطلاق تلك الصواريخ، متهمين خصومهم بمحاولة تشويه حراكهم الاحتجاجي.

واختار الصدر لعب ورقة قوّته الأبرز والمتمثّلة في جماهيريته، وقدرته على التحكّم في الشارع وتوجيه حركته.

ومازال الشارع العراقي رغم غضبه العارم على قادته السياسيين طيّعا وقابلا للاستخدام في الصراعات على السلطة، وبعيدا عن خوض حراك مدني مستقل، لتحقيق مطالبه.

واستجابت أعداد غفيرة لدعوة الصدر إلى التظاهر ضدّ مفوضية الانتخابات، لكن الحكومة التي لا تنفصل عن تأثيرات المالكي الذي لا يزال يحتفظ بنفوذ كبير في أجهزة الدولة، اختارت “الحزم” في مواجهة المتظاهرين لمنعهم من التوجّه إلى المنقطة الخضراء شديدة التحصين.


فائق الشيخ علي: نوري المالكي يأتي بمندسين يمارسون القمع ضد المتظاهرين
ويشغل منصب وزير الداخلية حاليا قاسم الأعرجي، عضو منظمة بدر بقيادة هادي العامري، أحد أبرز حلفاء المالكي.

وأصدر مقتدى الصدر، الأحد، بيانا في شأن الأحداث التي شهدتها بغداد السبت، دعا فيه أنصاره إلى الهدوء، بانتظار “أوامر جديدة”، قائلا “بالأمس انتصر الدم على السيف وانتصر المظلوم على الظالم”، وداعيا إلى “ترك المهاترات والتصعيد، فقد أمرتم بالسلم حتى النهاية”.

وقد سقط في مظاهرات السبت ببغداد ستة قتلى وما يقارب المئتي جريح.

وردّا على تحرّكات الصدر، حذّر حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه نوري المالكي، في بيان أصدره الأحد “من مؤامرات خارجية وداخلية تستهدف إشغال الشعب العراقي بالفتن والحيلولة دون تخليص العراق مما تبقى من عصابات داعش في القسم الأيمن من الموصل وفي الحويجة والقائم”.

وأكد الحزب على دعمه “للعملية السياسية والتداول السلمي للسلطة في العراق ضمن الآليات الديمقراطية واحترام الرأي والرأي الآخر الذي يضمن الحرية للجميع في التعبير عن آرائهم بالتظاهرات السلمية واحترام القانون والتعليمات الصادرة من الجهات الحافظة للأمن”.

ونوّه إلى أنه لا يحق لأي شخص أو فئة أو كيان أن يفرض آراءه على الآخرين لأي سبب وتحت أي شعار كان.

ولم يخل بيان الحزب من تحذير مبطّن لرئيس الحكومة الحالي حيدر العبادي من التحالف مع مقتدى الصدر، لكون العبادي يعاني بدوره من ضغوط سلفه ورفيقه في الحزب نوري المالكي.

وورد في البيان أن حزب الدعوة يدعم رئيس الحكومة شريطة الاستمرار على مواقفه في عدم الانجرار وراء هذه الفتن، وتقديم المتهمين إلى العدالة، والحفاظ على الأمن والاستقرار، وعدم السماح بالمساس بالعملية السياسية في العراق.

ورغم أنّ مقتدى الصدر هو الأعلى صوتا في مناهضة نوري المالكي، إلاّ أن شخصيات وتيارات سياسية عراقية كثيرة، تشعر بالامتعاض من نفوذ رئيس الوزراء السابق ومن طموحه إلى حكم العراق مجدّدا رغم الحصيلة الكارثية لفترة ترؤسه الحكومة لولايتين متتاليتين من سنة 2006 إلى 2014.واعتبر عضو اللجنة القانونية النيابية فائق الشيخ علي، الأحد، أن نائب رئيس الجمهورية الأمين العام لحزب الدعوة نوري المالكي هو المستفيد الأول من بقاء مفوضية الانتخابات الحالية، متهما إياه بأنه يأتي بمندسين يحملون الهراوات والسكاكين ويستخدمون القمع ضدّ المتظاهرين، فيما أعلن استعداده لـ”التضحية بالدم” من أجل حل مجلس المفوضين وتعديل قانون الانتخابات.

وقال الشيخ علي في مؤتمر صحافي عقده في مقرّ البرلمان إن “جريمة القتل المروّعة في حق المتظاهرين السلميين لا تغتفر وارتكبت ضدّ الأبرياء من الطرفين؛ المتظاهرين والقوة الأمنية”، مضيفا “لا نريد اتهام رئيس الوزراء بالرغم من أنه المسؤول عن إصدار الأوامر، لكن الحقيقة أنه ليس هو المستفيد من بقاء المفوضية الحالية”.

وأوضح الشيخ علي، أن “هناك بعض المستفيدين من حزب الدعوة، على الرغم من وجود أكثر من عشرين نائبا من بينهم لا يريدون المفوضية الحالية، ومنهم علي الأديب”.

وبيّن أن “هناك من هم في البرلمان يدافعون عن المفوضين ويحاولون التقليل من شأن إقالتهم وهم كلّ من عبدالقهار السامرائي وحنان الفتلاوي ومحمد الحلبوسي”، متسائلا “لماذا الإعلام لم يكشف للرأي العام من هم المعرقلون لتغيير مفوضية الانتخابات وتشريع قانون آخر”.