مع اقتراب موعد تنصيب دونالد ترامب، رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، فإن الجدل لا يزال مستمرا حول تداعيات انتخابه على مستقبل الاتفاق النووي الموقع مع إيران، حيث كان لترامب الكثير من التصريحات الجدلية إبان ترشحه للرئاسة، والتي انتقد خلالها الاتفاق النووي، بل وأشار إلى ضرورة إلغائه في بعض الحالات، وليثير انتخابه ردود أفعال متعددة بين مسؤولي إيران، الذين حذروا من أي مساس بالاتفاق النووي لتوجسهم من إلغاء اتفاق عد كانتصار تاريخي، وهو ما يستبعده محللون لما رأوه في تصريحات ترامب مجرد دعاية انتخابية وأن نهج الإدارات السابقة وحده هو الذي سيحدد خطوات ترامب السياسية.
 
وافقت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا على إلغاء العقوبات الاقتصادية التي تستهدف إيران، في مقابل قيود طويلة الأجل على أنشطة طهران النووية في 16 من يناير العام الماضي في اتفاق وصف بالتاريخي باعتباره انتصارا للدبلوماسية في عالم يواجه حروبا ضارية في الشرق الأوسط.
 
ورغم مرور عام على الاتفاق الذي دعمته إدراة الرئيس المنتهية ولايته، باراك أوباما، إلا أنه سيخوض اختبار جديد أخر بصعود قطب الأعمال دونالد ترامب كرئيس عدد 45 للولايات المتحدة والذي عرف بشعبويته وأفكاره الإقصائية المتشددة تحت مبدأ أميركا أولا، يثير الشكوك حول استمرارية هذا الاتفاق أمام ترقب دولي وتوجس إيراني.
 
وأبدى الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في تصريحاته الأخيرة رغبة إيرانية حقيقية في الحفاظ على الانتصار التاريخي بالاتفاق الذي توصلت إليه طهران مع مجموعة 5+1 حول برنامجها النووي، وأعلن الرئيس الإيراني أن بلاده سترفض “إعادة التفاوض” على الاتفاق النووي الذي تم التوصل إليه مع القوى الكبرى عام 2015، في حال طلب الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب ذلك.
 
ودافعت طهران عن برنامجها النووي ضد هجمات ترامب الذي صرح برغبته في تفكيك الاتفاق، وهو الأمر الذي قد ينذر بالمزيد من التوترات بين إيران والإدارة الأميركية الجديدة على غرار الإدارة السابقة بقيادة أوباما، الذي تجاهل العديد من النقاط المتفق عليها مع إيران في الاتفاق النووي.
 
 
اتفاق كارثي
 
انتقد الرئيس الأميركي المنتخب بنود الاتفاق النووي الإيراني، ووصفه “بأسوأ صفقة” من بين جميع الصفقات التي أبرمتها الولايات المتحدة الأميركية في السنوات الأخيرة.
وعلى الرغم من ذلك، يبدو الرئيس الأميركي الجديد مترددا حول قرار سحب هذا الاتفاق، لأن هذه الخطوة قد تسبب أزمة، ليس فقط مع إيران، ولكن أيضا مع الأوروبيين وروسيا والصين، التي تمثل أبرز الجهات التي تدعم الحفاظ على هذا الاتفاق.
ويبدو فريق دونالد ترامب منقسما حول هذه المسألة؛ إذ يساند وزير الدفاع، جيمس ماتيس، الحفاظ على الاتفاق النووي، بينما يرفضه مستشار الأمن القومي، مايكل فلين، بشدة.
 
وتحت ضغوط من الكونغرس المعادي لإيران، يمكن أن يسهم دونالد ترامب في إضعاف الاتفاق النووي من خلال استخدام السلطة التي يمنحها له منصبه، في التصدي لأي عقوبات جديدة يقرها البرلمان ضد إيران.
 
وكان في رد لوزارة الخارجية الأميركية على طلب توضيح تقدم به أحد أعضاء الكونغرس مايك بومبيو، العدو اللدود للاتفاق النووي الإيراني، ومرشح ترامب لتولي رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية في نوفمبر الماضي، أفادت بأن “خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) ليست معاهدة أو اتفاقية تنفيذية، ولا هي وثيقة موقعة … بل هي انعكاس للالتزامات السياسية بين إيران ومجوعة الخمسة زائد واحد، التي تضم كلا من الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، فرنسا، ألمانيا، روسيا، الصين، والاتحاد الأوروبي.
 
وتم تمرير هذا القانون 98-1 في مجلس الشيوخ. وكان الصوت الوحيد المعارض للنائب الجمهوري عن منطقة أركنساس توم كوتن، الذي طالب بضرورة عرض “الاتفاق بشأن الأسلحة النووية خاصة أنه لنظام إسلامي يرعى الإرهاب”، وبالتالي عملية الموافقة عليه تتطلب أغلبية الثلثين.
 
وفي انتظار مراجعة الكونغرس، منع قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني إدارة أوباما من رفع أو تخفيف العقوبات المتعلقة بالأنشطة النووية الإيرانية، وفرض مهلة زمنية قصيرة لتقديم الاتفاق إلى الكونغرس وتقديم تقرير عن مسألة التحقق من مدى التزام إيران بتنفيذ بنوده.
بالإضافة إلى ذلك، نص القانون على ضرورة إجراء تقرير نصف سنوي بشأن المسائل الخارجة عن نطاق الاتفاق، بما في ذلك غسل الأموال الإيرانية والتخطيط لذلك، ودعم الإرهاب “ضد الولايات المتحدة أو أي شخص من الولايات المتحدة في أي مكان في العالم”.
 
ويبدو أن التحركات الإيرانية التي تسعى لزعزعة استقرار الشرق الأوسط قد تدفع العلاقات بين واشنطن وطهران نحو توترات جديدة، قد تهدد مستقبل الاتفاق النووي.
 
 
السيناريوهات المتوقعة
 
يقول المركز الديمقراطي العربي إن خيارات ترامب المحدودة بالنسبة إلى معالجة العلاقة مع إيران، لا سيما الملف النووي الإيراني، ستدفع النظام السياسي في إيران إلى اتباع سياسة أكثر عدائية وربما ستنعكس في رفض أي مقترحات أميركية بخصوص إعادة التفاوض أو حتى إبطاء خطوات تنفيذ الاتفاق. مثل هذا الخيار ربما يدفع إلى تصعيد كلامي وسياسي، الأمر الذي قد يعيد الخيار العسكري المحدود ضد المنشآت النووية الإيرانية بعد غياب لحوالي عامين إلى دائرة التوقعات.
 
مثل هذا السيناريو ستكون له ارتداداته الإقليمية من قبل إيران لا سيما في ملفات مثل الملفين السوري واليمني.
 
ويضيف المركز أنه باعتبار أن المجتمع الدولي يعتبر الاتفاق النووي اتفاقا أمميا، وأن العقوبات كانت تحت الفصل السابع وأزيلت، من الصعب إعادة العجلة إلى الوراء، ولكن مثل هذا الكلام يمكن أن يكون له تأثير إذا ما كانت الإدارة الجديدة لا تملك خيارات أخرى لتجاوز كل ذلك، وهي في الحقيقة لديها هذه الخيارات.
قبل العقوبات الأممية كانت الولايات المتحدة تفرض عقوبات أحادية على إيران وكانت تمنع الشركات الأميركية من التعامل مع إيران، وبعبارة أخرى يمكن لإدارة ترامب الاكتفاء بإجراءات تعقد تنفيذ الاتفاق وتحد من تفاعل قطاع الشركات والأعمال وكذلك النظام المالي الأميركي مع إيران.
 
ما هو مهم في هذا السياق هو أن الإدارة الجديدة قد تلجأ إلى المزيد من شيطنة إيران داخليا وخارجيا، وهو ما سيضيف تعقيدات أكثر على طريق تنفيذ الاتفاق النووي. من المتوقع أن يتلقى ترامب مساعدة في هذا المجال من الكونغرس الذي يسجل حضور الأغلبية الجمهورية في مجلسيه، وكذلك من إسرائيل وربما من الغاضبين من سياسة إيران في الشرق الأوسط.
 
يستبعد محللون تمزيق ترامب، كما ادعى، للاتفاق باعتبار أنه لا يتمتع بالخبرة الدولية اللازمة للقيام بهذه المهمة. وبجانب ذلك، تختلف رؤية ترامب الانتخابية عن رؤيته كرئيس للجمهورية، فالواضح أن ترامب تشدد في انتقاد الاتفاق النووي، وما اعتبره تراخيا لإدارة أوباما أمام إيران وسياساتها الإقليمية، إلا أن هذا التشدد جاء في خضم حملة انتخابية تطرقت إلى كل سياسات الرئيس الحالي تقريبا بهدف التأكيد على أنه قادم محملا بسياسات مختلفة تخدم المصالح الأميركية أولا.
 
وبالتطبيق على خطاب ترامب، وانتقاداته لسياسة أوباما تجاه إيران، نجد أنه لا يطرح بديلا للسياسة الحالية؛ فهو قد اعتبر أن الاتفاق النووي “أسوأ اتفاق” قامت بتوقيعه الولايات المتحدة، دون الإشارة إلى أن “الاتفاق” و”الدبلوماسية” إزاء إيران كانا الخيارين الخاطئين، بل جُلّ ما يطرحه هو أنه كان سيحصل على اتفاق أفضل لو كان قائما على المفاوضات بدلا من أوباما ووزير خارجيته جون كيري، فيما أنه ليس بمقدوره، حسب الكثير من الإيرانيين، بناء تحالف متماسك أمام إيران.
وبجانب ما سبق، ورغم أن دول الخليج العربي كانت قد راقبت بانزعاج توصّل القوى الدولية في ظل إدارة أوباما إلى الاتفاق النووي مع أكبر خصم لها في المنطقة، وحذرت من أن ذلك قد يشجع إيران في مسعاها للهيمنة الإقليمية، فقد أعرب الأمير تركي الفيصل، الرئيس السابق للمخابرات السعودية وسفير المملكة السابق لدى كل من واشنطن ولندن، عن اعتقاده بأنه لا ينبغي على الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، أن يلغي الاتفاق النووي “الذي تم العمل عليه سنوات عدة، وحقق هدفا، وهو الحيلولة دون تطوير إيران للسلاح النووي، وهو الهدف الذي تسعي إليه طهران منذ خمسة عشر عاما”. وفي المقابل شدد الفيصل على أنه على ترامب توبيخ طهران بسبب “أنشطتها المزعزعة للاستقرار” في الشرق الأوسط. ولكن رغم الحجج القوية التي يستند إليها داعمو هذا السيناريو، فإنها تتعارض بالنسبة إلى البعض والتصريحات الحادة لترامب خلال حملته الانتخابية، والتي رفض خلالها الاتفاق النووي.
 
ويضيف المحللون أن هناك فرضية معتدلة قد يتعامل معها ترامب عقب تصريحات لاحقة له ركزت على فكرة “إصلاح” الصفقة النووية، بالعودة إلى طاولة المفاوضات مع طهران، حيث روج لهذه الرؤية عدد من مستشاري ترامب خلال الحملة الانتخابية، فقد أكد وليد فارس، مستشار ترامب للشؤون الخارجية، أن الأخير لن يلغي الصفقة النووية، ولكنه سيطالب بإعادة النظر وإجراء تغييرات فيها، مشيرا إلى أن هذه الصفقة لا تروق لترامب في صيغتها الحالية، ولذلك فهو لا يعتزم الالتزام بها حرفيا، ويرى إمكانية تحسين شروطها بمساعدة المشرعين، وأضاف أنه على الأرجح سيرسل المعاهدة إلى الكونغرس لإعادة النظر فيها.
اتفاق متعدد الأطراف
 
تمثلت المهمة الرئيسية للوكالة الدولية للطاقة الذرية بفيينا منذ دخول بنود الاتفاق النووي حيّز التنفيذ في العام الماضي، في فحص ومراقبة مدى التزام إيران بتطبيق التعهدات المنصوص عليها في اتفاق “خطة العمل المشتركة الشاملة” المُبرمة مع مجموعة 1+5 التي تضم أبرز القوى الكبرى.
 
ويخضع الاتفاق النووي الإيراني لرقابة مستمرة تتجسد من خلال التقارير الدورية التي يعدها رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، كل ثلاثة أشهر، ثم يقوم بعرضها على مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن للأمم المتحدة. وقد قدّم أمانو آخر تقرير دوري يوم 10 نوفمبر 2016.
 
خلال زيارته إلى طهران في ديسمبر 2016، أفاد يوكيا أمانو بأنه “يشعر بالرضا عن تطور تنفيذ الاتفاق المبرم بشأن البرنامج النووي الإيراني”. ومن جهته، صرّح الرئيس الإيراني، حسن روحاني في بداية شهر نوفمبر بأن “طهران ستنفّذ الجزء الأخير من التزاماتها بشأن المنشأة النووية في فوردو، بداية من هذا التاريخ إلى نهاية السنة الأولى من تاريخ سريان مفعول هذا الاتفاق”.
 
وتؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية في أربعة تقارير متتالية أن إيران تحترم التزاماتها بمقتضى الاتفاق. ولا يمكن لأي طرف إيجاد مبرر لفكرة تفكيك الاتفاق ومعاودة التفاوض بشأنه، إضافة إلى أن الاتفاق متعدد الأطراف وليس اتفاقا ثنائيا.
وشددت شميدت في منتصف هذا الأسبوع على أن “الاتفاق ليس ملك الأطراف التي تفاوضت بشأنه”، وهي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين وإيران.
 
وتترأس الاتحاد الأوروبي لجنة متابعة تنفيذ الاتفاق وخطة رفع العقوبات ذات الصلة بالبرنامج النووي الإيراني. وحظي الاتفاق بإجماع مجلس الأمن في صيف 2015. وقالت شميدت “إن الاتفاق متعدد الأطراف ولا يمكن معاودة التفاوض بشأنه على صعيد ثنائي”.
 
وأجرى دبلوماسيون أوروبيون مشاورات أولية مع فريق الرئيس المنتخب، ترمب، قبل أكثر من أسبوعين في واشنطن، من أجل إبراز القيمة المضافة للاتفاق، حيث تم تحييد الخطر المحتمل الذي مثَّله البرنامج النووي الإيراني بالوسائل الدبلوماسية. وحذر دبلوماسي أوروبي من أن “انسحاب أي طرف من الاتفاق سيقابله خروج الطرف المقابل (إيران)”.
 
ومكن الاتفاق من خفض مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 98 بالمئة وتفكيك ثلثي أجهزة الطرد المركزي. وإذا انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق وبادرت بفرض عقوبات جديدة ضد إيران فإن الأخيرة قد ترد باستئناف نشاطات التخصيب وهي تمتلك الخبرات العلمية والتقنية لمعاودة إطلاق البرنامج النووي وإسراع ورفع وتيرة التخصيب.
 
وحذر الدبلوماسي الأوروبي من “خطأ التقليل من وحدة الموقف بين روسيا والاتحاد الأوروبي بشأن التمسك بالاتفاق وتنفيذ مقتضياته”.
 
ولا يمكن للولايات المتحدة، إذا انسحبت من الاتفاق، التعويل على وحدة الموقف الأوروبي لأن الإجماع لن يتوفر في المستقبل إذا عرضت فكرة معاودة فرض عقوبات نفطية ضد إيران.