التغيير الأساسي الذي طرأ على الخارطة السياسية في لبنان خلال العام 2016 أنها لم تعد قائمة على فريقين ومعسكرين كبيرين هما 8 و14 آذار، فقد حصل تفكك في هذين المحورين ولو بنسبة متفاوتة، لأن فريق 8 آذار مازال يحافظ على حد أدنى من التماسك بحكم أن له مرجعا و«مايسترو» واحدا يمسك بخيوط اللعبة وإدارة الوضع وهو حزب لله، وطالما أن النواة الصلبة الأساسية لهذا الفريق تتشكل من تحالف حزب لله والتيار الوطني الحر، وهو تحالف مازال قائما وثابتا رغم كل المتغيرات والاختبارات.

في المقابل، فإن فريق 14 آذار شهد تفككا لامس خط الانهيار باعتراف الهيئة الأخيرة التي كانت صامدة ولها قيمة رمزية وهي الأمانة العامة لـ 14 آذار التي يقول منسقها فارس سعيد ان 14 آذار انتهت ولم يعد لها من وجود سياسي أو تنظيمي، ولم يبق إلا "قضية 14 آذار"، وهذا الانهيار حصل لسببين أساسيين: الأول هو الضعف اللاحق بتيار المستقبل والرئيس سعد الحريري الذي هو المرجعية الأساس في 14 آذار وضابط إيقاعها السياسي.

وهذا الضعف الذي حصل لأسباب عديدة أدى الى خروج وضع 14 آذار عن سيطرة الحريري السياسية والى نشوء مراكز قوى وتيارات داخلها، تماما مثلما حصل في تيار المستقبل، أما السبب الثاني فهو الاهتزاز الذي أصاب علاقة القوات اللبنانية وتيار المستقبل، وهذه العلاقة هي النواة الصلبة في تحالف 14 آذار ومرتكزه الأساسي.

في موازاة انحسار وتهافت فريق 8 و14 آذار، حصل تغيير في طبيعة الانقسام الذي طغى فيه الطابع الطائفي على الطابع السياسي، فلم يعد انقساما سياسيا بين فريقين مختلطين بقدر ما صار انقساما طائفيا بين ثلاث «قوى طوائف» (سنة وشيعة ومسيحيين).

واستطرادا حصل تغيير في هوية اللاعبين الجالسين على الطاولة وأضيف الى اللاعب الشيعي واللاعب السني اللاعب المسيحي الذي تقدم من المقاعد الخلفية الى المقاعد الأمامية، و«نظريا» أصبح على رأس الطاولة مع وصول العماد ميشال عون الى قصر بعبدا. التغيير الآخر تمثل في بروز ثنائيات داخل كل طائفة ولكن مع اختلاف في الأحجام والأدوار.

وهكذا أضيف الى الثنائية الشيعية (أمل - حزب الله) ثنائية مسيحية "حديثة العهد" (القوات - التيار)، في حين تتراءى ثنائية سنية غير مكتملة المعالم (الحريري - ميقاتي) وتستمر ثنائية درزية غير متكافئة (جنبلاط - إرسلان).

وبعد مخاض رئاسي عسير بلغ أوجه هذا العام، حصلت تغييرات في واقع ومسار العلاقات السياسية: بعضها القليل ظل ثابتا، بعضها الآخر فقد الحرارة والوهج. هناك علاقات تعاني من «أزمة ثقة» ومازالت تحافظ على حد أدنى من التواصل.

وهناك علاقات انتقلت الى مرحلة الانقطاع. وبالإجمال، فإن خارطة العلاقات والتحالفات السياسية استقرت على هذا النحو وتبدو على الشكل التالي:

- العلاقة بين التيار الوطني الحر وحزب الله: هذه العلاقة شهدت حركة صعود وهبوط إبان المعركة الرئاسية وبعد سلسلة خلافات في وجهات النظر حول مسائل التمديد (لمجلس النواب وقائد الجيش..)، ومع تنامي الشكوك لدى قواعد التيار وكوادره في شأن الموقف الفعلي لحزب الله في موضوع الرئاسة وما إذا كان يريد العماد عون رئيسا، وماذا يفعل بهذا الخصوص.

وجاء انتخاب عون رئيسا للجمهورية ليمحو كل هذه الصفحة ويثبت التحالف ويعلن انتقال العلاقة الى مرحلة جديدة هي «الشراكة الفعلية والكاملة» في الحكم بين عون الذي يقف عند قمة السلطة وحزب الله الذي يمسك بالحكومة وقرارها.

وإذا كان الرهان على حزب الله وعدم حماسته لوصول عون الحليف الى قصر بعبدا لم يصح، فإن الرهان على حصول تباعد بين الحزب وعون الرئيس وافتراق المصالح والمواقف لا يصح أيضا، وجاء الاختبار الأول في تشكيل الحكومة ليؤكد أن العلاقة هي في أفضل حال من التعاون والتنسيق، وهذا ما سيتأكد أيضا عندما يفتح ملف التعيينات الإدارية، وعندما تحتدم معركة قانون الانتخاب.

- العلاقة بين حزب الله وحركة أمل: هذه العلاقة ثابتة في منحاها وطابعها «الاستراتيجي» ولا تؤثر فيها خلافات وتباينات اشتدت هذا العام وبلغت أوجها في معركة رئاسة الجمهورية التي خسرها الرئيس بري، ونادرا ما يخسر.

حزب الله يدرك أن بري هو الوحيد الذي يمتلك حيثية وقوة سياسية وشعبية على الساحة الشيعية، وهو يراعي وضع بري ويحرص على مكانته ودوره، لأنه مهتم باستقرار وتماسك الشيعة، طائفة ومجتمعا، خصوصا أنه متفرغ لحرب وجودية مصيرية في سورية، والرئيس بري الذي يحتفظ بهامش مناورة وحركة، يراعي سياسة حزب لله وتوجهاته في المحطات المفصلية، وإذا لم يلتزمها فإنه لا يقدم على تخريبها وإفسادها ومنع حصولها كما حصل في جلسة انتخاب الرئيس عون.

ويدرك بري تماما أن حزب الله هو الأقوى والمظلة الواقية وهو جزء أساسي من مشروع شيعي إقليمي، وحركة «أمل» منخرطة وعلى طريقتها في هذا المشروع.

- العلاقة بين تيار المستقبل وحزب الله: هذه العلاقة انتقلت، وبدءا من العام 2014، من مرحلة التصادم الى مرحلة «التشارك» في الحكم مع حكومة تمام سلام أولا التي قال عنها الحريري انها حكومة ربط نزاع، وصولا الى حكومة الحريري الذي أعطاها عنوان «حكومة استعادة الثقة»، ثقة الداخل والخارج بالدولة اللبنانية، وربما أيضا استعادة الثقة المفقودة بين المستقبل وحزب لله رغم جولات وصولات من الحوار المتواصل في عين التينة.

كل المؤشرات تدل الى علاقة قابلة للصمود والاستمرار وليست علاقة قصيرة المدى تنتهي مع هذه الحكومة، لأنها علاقة قائمة على «الحاجة المتبادلة»: حاجة الحريري للعودة الى رئاسة الحكومة والبقاء فيها، وهذه العودة غير ممكنة من دون حزب الله «ممرها الإلزامي»، ومن دونها سيكون الحريري في حال تراجع وانكشاف، وحاجة حزب الله الى قوة اعتدال سني في مواجهة التيارات المتطرفة، خصوصا أن قوة الاعتدال هذه تعد ضعيفة وحيث إن الحريري هو الحلقة الأضعف في الحكم المتعدد الأطراف، وفي الدولة الثنائية الرأس «دولة نصرالله ـ عون».

- العلاقة بين تيار المستقبل والقوات اللبنانية: هذه العلاقة شهدت منعطفات وتقلبات حادة هذا العام. بداية مع توجه الحريري لدعم ترشيح سليمان فرنجية للرئاسة وما أحدثه ذلك من هوة واسعة واهتزاز قوي بعد الرد الفوري من قبل د.سمير جعجع بتأييد ترشيح عون، ما أدى الى إحباط خطة الحريري وقطع الطريق على سليمان فرنجية، ولكن في نهاية المطاف حصل التقاء على رئاسة عون بعدما أدرك الحريري أن وصول عون الى قصر بعبدا هو الثمن السياسي لوصوله الى السراي الحكومي.

لكن رغم هذا التلاقي الرئاسي لم تستعد العلاقة كامل لياقتها السياسية، ولم تعد الى وضعها الطبيعي والمعهود سابقا في عز أيام 14 آذار، وجاءت عملية تشكيل الحكومة لتظهر أن حجم اهتمام الرئيس عون بحصة القوات وتمثيلها في الحكومة يفوق حجم اهتمام الرئيس الحريري، وأن العلاقة بين جعجع عون باتت تنافس العلاقة بين جعجع والحريري ويمكن أنها تتقدم عليها، وهذا ما تكشفه الأشهر المقبلة والانتخابات النيابية الآتية.

- العلاقة بين القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر: هذه العلاقة تقدمت أشواطا الى الأمام هذا العام الذي يمكن القول ان من أبرز أحداثه السياسية «إعلان معراب» الذي أعلن تحول ورقة النوايا الى اتفاق سياسي مرفق بتأييد القوات لانتخاب عون رئيسا للجمهورية، وجاء انتخاب عون رئيسا لينقل هذا الاتفاق الى مرحلة الترجمة العملية عبر مشروع شراكة في الحكم، وتحديدا الشق المسيحي منه.

وإذا كان هناك من تصور أن هذا الاتفاق ظرفي تكتيكي ومصمم لرئاسة الجمهورية وينتهي معها، فإنه اكتشف أنه اتفاق استراتيجي بعيد المدى وصار في صلب الاستراتيجية السياسية المسيحية للمرحلة المقبلة، ولم يعد التراجع عنه سهلا لأي من الطرفين، كما لم يعد الرجوع الى الوراء ممكنا، لأن هذه الثنائية أدت الى تقوية الوضع المسيحي وتحظى بدعم أكثرية المسيحيين الذين أصابهم انتعاش وتشهد أوضاعهم «نهضة»، ولأن كل طرف يحتاج الى الآخر في استحقاقات مستقبلية قريبة مثل الانتخابات النيابية أو بعيدة مثل الانتخابات الرئاسية.

- العلاقة بين القوات والكتائب: هذه العلاقة تراجعت كثيرا هذا العام ووصلت الى حد انقطاع التواصل وانعدام التنسيق في ظل اختلافات متراكمة بدأت مع حكومة سلام التي خلت ساحتها للكتائب مع مقاطعة القوات لها، وتطورت مع الاستحقاق الرئاسي الذي انحازت فيه الكتائب لمصلحة فرنجية وراهنت عليه، وعندما دقت ساعة انتخاب عون لم تشارك في انتخابه رغم أن أكبر قوتين في 14 آذار (المستقبل والقوات) فعلت ذلك.

رئيس الكتائب النائب سامي الجميل لديه هاجس أن القوات تحاصره وتعمل على إضعافه وإلغائه سياسيا، والقوات تعتبر أن مشكلة الكتائب مع ذاتها وفي أن رئيسها لم يحسن قيادة الحزب وأخطأ في التقديرات والقرارات السياسية.

- العلاقة بين التيار الوطني الحر والمردة: تيار المردة الذي كان منخرطا في تكتل الإصلاح والتغيير وحليفا له، صار من أشد خصوم التكتل، والنائب سليمان فرنجية الذي كان مرشحا على رئاسة الجمهورية لوراثة العماد ميشال عون مسيحيا وفي نطاق فريق 8 آذار وكانت شعبيته قوية في صفوف التيار، صار مرفوضا من قواعد التيار وجمهوره الذي ربما بات يفضل جعجع على فرنجية ويقدر للأول وقفته الرئاسية الى جانب عون ويعجب للثاني ذهابه بعيدا في المعركة ضد عون.

حتى الآن لم تحصل محاولات وجهود مركزة لرأب الصدع بين عون وفرنجية، لا من جانب حزب الله ولا من جانب البطريرك الماروني بشارة الراعي. ويبدو أن إعادة العلاقة الى سابق عهدها صارت مسألة صعبة ومتعذرة حتى إشعار آخر.

فرنجية اختار وجهة تحالفاته ولديه ملء الثقة بالرئيس بري، ومشكلته لم تعد مع الرئيس عون وإنما مع الوزير جبران باسيل، ليس بسبب المعركة الرئاسية التي مضت، وإنما بسبب المعركة الرئاسية التي ستأتي بعد حين طال الوقت أم قصر، وفي ظل مفارقة ملحوظة وغير مسبوقة وهي أن معركة العهد المقبل تفتح في بداية العهد الجديد، وأن معركة رئاسة 2016 لم تنته فصولا وذيولا بعد، ولها تتمة وتكملة بدءا من الانتخابات النيابية التي تعد أولى جولات ومراحل "تصفية الحسابات".

(الأنباء الكويتية)