لا ينفك دونالد ترامب يستغل كل حادثة ارهابية جديدة يقترفها متطرف في أي بقعة من العالم، إلا ويبصم بالعشرة على كلام كان أطلقه إبّان حملته الانتخابية بحق المسلمين.. كلّ المسلمين؛ "صدقت صدقت".. هكذا علّق الرئيس الأميركي المنتخب مؤيداً ومهنئاً نفسه بعد حادثة برلين الاخيرة، وكأنه تلميذ توقع حدوث زلزال قبل أوانه!

لم يكتف ترامب بالتهويل، بل شدد في تصريح أن"هؤلاء الإرهابيون، وكذلك أيضاً شبكاتهم الإقليمية والدولية، يجب محوهم من على وجه الكرة الأرضية".. تهديد الأخير ليس بالأول، لكنه ليس أقل خطورة من التهديدات السابقة حين كان مجرد رجل أعمال ذكي ومجنون في آن يسعى لرئاسة دولة بحجم إمبراطورية، فلا ترامب ولا غالبية الشعب الاميركي يدركون الفرق الشاسع بين المسلم المؤمن والمسلم المتطرف، وبالتالي بات الخوف المتبادل بين المسلم المواطن والاميركي المواطن الى تصاعد، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، في بلد لطالما بنى أمجاده على تقديس الحريات الفردية.

والواقع أن لـ"ظاهرة ترامب" توأمها، وهذه المرة من الشعب، فالجندي السابق في البحرية الاميركية غليندون سكوت كروفورد، وهو من مجموعة "كو كلوكس كلان" العنصرية، وصانع سلاح لابادة المسلمين بـ"أشعة الموت السينية" يدافع عن نفسه خلال محاكمته التي تمت منذ أيام قائلاً إن "الإسلام هو عدوى منتشرة في الحمض النووي.. وبالتالي إبادتهم أمر جيد".

وفي حين أن كروفورد قابع في السجن لـ30 عاماً بعد أن هدد الرئيس الأميركي باراك اوباما بالاغتيال، إلا ان خبراء مكتب التحقيقات الفيدرالي ذكروا بأن جهاز الأشعة القاتلة الذي اخترعه كروفورد، جاهز ومتكامل وصالح تماما للاستخدام، لذا، إن افترضنا أن ترامب، الذي شبهته بعض وسائل الاعلام الغربية بالزعيم النازي ادولف هتلر والذي لا يغفو الا على خطابات الاخير، فعلها وجن جنونه، وهو مجرد افتراض ليس أكثر، فهل إبادة المسلمين جميعاً هي الحل لانهاء الهجمات الارهابية التي تحصل نتيجة التطرف؟

الباحث في الشؤون الاسلامية مصطفى زهران يرى من وجهة نظره أن "لدى ترامب اشكالية حقيقية في المزج بين الاسلام عموماً والحركات الاسلامية وخصوصاً الراديكالية منها خصوصاً، وبالتالي، هناك إشكال في رؤية ترامب للجمهور الاسلامي في مجمله، في مشارق الأرض ومغاربها، وهذه الاشكالية هي التي دفعت الكثير من المسلمين في الداخل الاميركي الى التخوف من السياسات المستقبلية للرئيس ترامب تجاههم، وإزاء الحالة الاسلامية في المنطقة بأسرها، وخاصة منطقة الشرق الاوسط. وبالتالي، إن فرضية "ابادة المسلمين الراديكاليين" أمر لم يقدر عليه من سبق ترامب، ولن يقدر عليه ترامب نفسه إلا إذا قرر أن يعلن حرباً كونية عالمية ضد المسلمين، وحينها سيواجه ترامب مشكلة أكبر لأنه لا يعي حجم القدرات الحقيقية لمواجهة أكثر من مليار مسلم حول العالم إذا ما استمر في مهاجمتهم".

ما الذي سيقدم عليه ترامب تجاه المسلمين حين يدخل البيت الابيض (20 كانون الاول)؟ يشير زهران الى أن "كلمات الحشد والتعبئة التي كان متمسكاً بها اثناء الحملة الانتخابية الاميركية ستختلف جملةً وتفصيلاً عندما يقف على رأس السلطة رسميا، حينها سيسعى ترامب لأن يكون رجلاً سياسياً ورئيس أكبر دولة في العالم. وبالتالي، ربما سيذهب الى الخطاب المتوازن خلافاً للخطاب الأهوج الذي كان يصدره للحشد فقط، من دون أن ننسى ان الدولة الاميركية هي دولة مؤسسات ولن تترك مثل هذه التصرفات المتسرعة أن تستمر".

إذن، "يعول ترامب مستقبلاً على تعميق التنسيق الامني بين الدول الاسلامية من جهة، وأميركا والدول الغربية من جهة أخرى، لوضع حد للجماعات الراديكالية، خاصة "داعش" و"القاعدة"، وسيكون أكثر صرامة في مواجهتهم، وربما هذا ما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى النظر الى ترامب على أنه "حالة فارقة في مواجهة الارهاب العالمي"، بحسب زهران.

من الحرب على الارهاب الى الحرب في سوريا، حيث كان من المنتظر أن يقوم ترامب بتغيير المعادلة التي انتهجها سلفه، بأن يقدم خارطة طريق لوقف نزيف الدم في الشرق الاوسط والبحث عن حل سريع للحرب المستمرة منذ حوالى 6 سنوات، لكن حتى هذه اللحظة، يبدو أن الدولة الاميركية ليس لديها اي رؤى أو خطط او استراتيجيات للخروج من المأزق، ليس فقط بمحاربة داعش، وانما بتثبيت دعائم الدولة في منطقة الشرق الاوسط ودعم الانظمة التي تحارب الارهاب، ليس على حساب استئصال قوى الاسلام السياسي، لأن لديها قوة شعبية، إنما عن طريق الموازنة بين متطلبات الشعوب والدول.

هل يفعلها ترامب ويستعين باختراع كروفورد الفتاك في لحظة تهور؟

بدوره، لا يرى المتخصص في الشؤون الدولية الدكتور سامي نادر الحل بابادة المسلمين عموماً، أو الارهابيين خصوصاً، بل بانهاء صعود اليمين المتطرف، وهو يستبعد أن يقدم ترامب على أي فعلٍ غير مضبوط، ويفند الاشكالية كالتالي:

أولاً، إن تحديد العدو بأنه "المجرم المتطرف" وإعطاء الصفة المذهبية الى جانب الصفة "الجرمية" هو خطأ منهجي كبير، لانه يعمق الهوة بين الحضارات. فمثلاً إعطاء الصفة الجرمية للمسلم هو أمر قد يؤدي الى نتائج كارثية وتستجلب "ردة فعل" عدائية من قبل الاميركيين للمسلمين عموماً.

ثانياً: إن شخصية ترامب، من خلال مراقبة حركة تعيينات إدارته المقبلة التي يقوم بها، تعكس شخصية عملية، وهو طرح الشعارات العدائية للمسلمين ليس قناعة بها على المستوى الايديولوجي وإنما لمحاكاة الغرائز الرابحة انتخابياً، وخاصة في اميركا، وقد نجح الامر.

إذن، ما هي البدائل لمكافحة التطرف، أو بالحدّ الأدنى لوقف الذرائع التي يتمسك بها مروجو الارهاب تبريراً لسلوكياتهم؟ يشير نادر الى أن "هذا الامر يحتاج أولاً إلى انهاء الازمات المفتوحة في الشرق الاوسط بالحوار والتعاون، وإلى تحقيق عدالة أكثر في ما يخص حقوق الشعوب ومستوى توزيع الثروة بين الدولة وبناء جسور للحوار بين الحضارات".

عشية دخول ترامب إلى البيت الأبيض رئيساً للولايات المتحدة، وبالرغم من قناعة كثيرين بأن خطابه العدائي ضد المسلمين ليس سوى صخب اعلامي وشعبوي للوصول الى الرئاسة، إلا أن تجديد تعهده بـ"إغلاق كامل للحدود لمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة" لا يبشر بالخير، لا بل يَشي بكره متأصل، ورأي متطرف يرى بأن ما يجري حول العالم تهديد ديني لأوروبا وأميركا. وهذا الأمر إلى كونه يطرح الإشكالية الاساس بعدم إدراك ترامب وكثير من الأميركيين للفرق بين المسلم المؤمن والمسلم المتطرف، ينذر بفترة اضطراب ومعاناة كبيرة وضحايا كثر سيعانون في عهد الرئيس الجديد.

(الميادين)