مازالت قضية تاجر الهواتف الخليوية كامل أمهز تتفاعل، إذ تشهد الأوساط القانونية نقاشاً حول الآلية التي يُحدد على ضوئها قاضي التحقيق الكفالة المالية. وإنطلق الجدال من إلزام القضاء بعض ناشطي المجتمع المدني دفع كفالات تفوق بأضعاف المبلغ الذي قرر قاضي التحقيق فرضه في قضية شخص مشتبه بإدخاله هواتف خليوية بطريقة غير شرعية.

من الناحية القانونية، فإن الكفالة تدخل ضمن أصول المحاكمات الجزائية في باب قاضي التحقيق، حيث ذكرت في المادتين 108 و111. ما يشي بوجود نوعين من الكفالة. فوفق المادة 111 يمكن لقاضي التحقيق إخلاء سبيل الموقوف بعد استجوابه إذا لم يجد حاجة لتوقيفه. أما النوع الآخر فهو إطلاق سراح الموقوف لقاء كفالة.

ووفق المادة 107 من أصول المحاكمات، ففي حالة اللبناني الذي لم يرتكب جرائم سابقة ويملك سجلاً عدلياً نظيفاً يتم إطلاق سراحه خلال شهرين حداً أقصى من التوقيف الإحتياطي في الجنحة، وستة أشهر في الجناية، بإستثناء جرائم الإتجار بالمخدرات ودعاوى القتل والإرهاب. 

والحال أن قاضي التحقيق يملك سلطة واسعة في تحديد قيمة الكفالة ونوعها. ووفق المحامي محمد حافظة، فإن قاضي التحقيق يلحظ نقاطاً عدة عند تقريرها، فهي يمكن أن تكون عقارية أو مالية أو تجارية، ولا بد أن تُضمّن نفقات المحاكمة وجزءاً من التعويضات الشخصية التي درج العرف أن تقارب نصف المبلغ المطلوب، وكذلك ضمانة الحضور. ويوضح المستشار السابق في محكمة التمييز القاضي نبيل صاري أن فداحة الجرم وخطورته وإمكانية الهروب عناصر يجب التحسب لها عند تقرير إخلاء السبيل لقاء كفالة. 

وتختلف قيمة الكفالة وفق طبيعة الإدعاء، ولا يوجد في القانون سقف مالي لها. كما أن للقاضي سلطة إستنسابية في تقديرها لناحية التخفيض أو الزيادة. ففي بعض القضايا التي لا يوجد فيها إدعاء شخصي قد لا تتجاوز قيمة الكفالة 300 ألف ليرة لبنانية. ولا يتردد بعض رجال القانون في الإشارة إلى "عدم مراعاة الأصول"، وإلى أن "حجم الكفالة يختلف وفق الواسطة أو التوصية، مهما كانت فداحة الجرم". 

وقرار قاضي التحقيق بفرض الكفالة على الموقوف قابل للاستئناف من قبل النيابة العامة والموقوف نفسه. وهذا الحق لم يمارس في قضية أمهز، حيث أطلق سراحه فور نفاذ القرار. ومبلغ الكفالة لا يتم مصادرته للخزينة بصورة تلقائية، ويمكن للمشتبه به استعادة مبلغ الكفالة إذا حضر الجلسات ونفذ الحكم، كما يفقدها عند هروبه وعدم حضوره المحاكمة.

وعقب إطلاق سراح أمهز تم التسويق إعلامياً أنه تُرك عقب تنفيذه مدة العقوبة، أو أن في ذلك إعلان براءته. وهذا ما لا يتطابق مع منطوق القانون، لأن العقوبة الجزائية يعود تحديدها إلى رئيس المحكمة وليس إلى قاضي التحقيق، وهي تراوح في الجنحة بين 3 أشهر و3 سنوات. كما أن قرار قاضي التحقيق بترك أي موقوف لقاء كفالة لا يمكن أن يعتبر قرينة براءة. 

لا يجد كثير من رجال القانون إمكانية للفصل بين قرارات القضاء الجزائي والسياسة، فالعلاقات وثيقة الصلة تجعل الحاكم يتحكم بالجزاء من خلال التعيينات والمناقلات. ويبلغ التشكيك مداه عند حديث البعض عن صلات تربط المشتبه بهم البارزين وبعض القضاة. لكن القاضي صاري يرفض تعميم الإتهام، لأن "القضاء لا يتأثر وإنما هناك قضاة يتأثرون". 

إصلاح نظام الكفالة
عدم وجود ضوابط لتحديد قيمة الكفالة دفعت بعض رجال القانون إلى المطالبة بتعديل النصوص قديمة العهد. وتلفت المحامية إقبال دوغان إلى أن ورشة دراسة قانون العقوبات يجب أن تلحظ هذه الضوابط التي لا يتضمنها القانون الحالي، كما يجب أن يُصار إلى تحديث قيمة الغرامات في ضوء تبدل سعر صرف الليرة. 

المطالبة بوضع معايير واضحة لتحديد قيمة الكفالة سيبقى مدار خلاف، لأن البعض سيرى فيه تقييداً لسلطة القاضي، في مقابل فريق آخر يضعه في سياق تحقيق مبادئ العدالة على الجميع من دون النظر إلى الانتماءات. 

 

بشير مصطفي