حمل خطاب الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله في لقائه مع عشائر وعائلات بعلبك الهرمل في 29 الشهر الفائت، دلالات وتساؤلات كثيرة حول ماهية هذا الخطاب وتوقيته في ظل تزاحم الملفات الملقاة على عاتق الحزب على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.على مدى ساعة ونصف الساعة، توجّه السيد نصرالله إلى عائلات وفاعليات بعلبك الهرمل بالحديث، بعد الفلتان الذي استشرى في المنطقة أخيراً من عمليات قتل وثأر مضاد وإطلاق رصاص في مختلف المناسبات، إلى الأمن المهتزّ الذي يعاني منه المواطنون، ما أثقل كاهلهم وانعكس سلباً على مختلف جوانب الحياة الإقتصادية والإجتماعية، وعرّض حياتهم للخطر في محطات كثيرة، مستذكراً ميثاق الشرف الذي دعا إليه السيد موسى الصدر ووقعته عشائر المنطقة بمختلف أطيافها ومذاهبها، داعياً إلى العودة إليه والعمل به.

لم تتأخّر ترجمة هذا الخطاب فعلياً، حيث عقدت حركة «أمل» و«حزب الله» لقاءات مكثفة تمّ خلالها تكليف السيد فيصل شكر متابعة الموضوع، وتأتي هذه الحركة والإنهماك بعد توجيه الإتهامات إلى الأحزاب الفاعلة في المنطقة وتحميلها مسؤولية ما وصل إليه الفلتان الأمني لجهة تأمين الغطاء للمخلّين بالأمن.

وفي هذا الإطار، يقول وزير الأشغال العامة والنقل ونائب المنطقة غازي زعيتر لـ»الجمهورية»، انّ «الأمن والإستقرار هما الركيزة الأساسية لأيّ إنماء وازدهار على مستوى أيّ منطقة، ومن هنا كانت دعوة الإمام موسى الصدر على مستوى كل لبنان عموماً، وفي ما يخصّ منطقة بعلبك - الهرمل وما كان يحمله الإمام الصدر للمنطقة على صعيد التآلف بين كل طوائف وعائلات المنطقة، كذلك تحسين الظروف المعيشية فيها».

ويعتبر أنّ «بصمات الإمام الصدر في المنطقة لا تزال موجودة وهي مستمرة بوجود الرئيس نبيه برّي، ومن هنا كانت دعوته إلى رفع الظلم والحرمان، والميثاق الذي دعا إليه ووقعته العشائر شكّل ركيزة أساسية للعمل في المنطقة، وما يحصل اليوم من لقاءات بين حركة «أمل» وكلّ القوى السياسية هو متابعة لهذا الميثاق ومن أجل مواجهة ما تشهده المنطقة من أحداث، والتي ترتكب بحق المنطقة قبل المجني عليه»، مشدّداً على أنّ «الوضع الأمني هو الأساس، لذلك تدعم حركة «أمل» القوى الأمنية وعلى رأسها الجيش في حفظ الأمن وتأكيد الأستقرار».

بدوره، يوضح المعني بمتابعة الملف، فيصل شكر لـ»الجمهورية» انّ «خطاب السيد نصرالله في هذا الوقت وفي ظل الأحداث الكبيرة في المنطقة دليل على أنّ الحال التي وصلت إليها بالغة الخطورة ولا يمكن السكوت عنها، وأنّ المنطقة بما تحتويه من عشائر وعائلات وأحزاب بكل أطيافها ليست غوغائية وعشوائية، وتعيش الفساد والخروج عن القانون، بل هناك مجموعة من الشباب تقوم بأعمال فاسدة وسيئة تعطي صورة سيئة عن المنطقة لا تمتّ لها بصلة، ومنها القتل، عمليات الثأر، قطع الطرق والسرقة والنهب، وإطلاق النار العشوائي وترويع الناس، ما يؤدي إلى زعزعة الأمن الإجتماعي».

ويضيف: «من هنا جاء خطاب السيّد وبدأنا الخطوات العملانية بالإتفاق مع حركة «أمل» بعدما بدأت الناس والعشائر والفاعليات تستشعر بالخطر وتطالب الحزب بأن يتدخل ويفعل شيئاً».

ويُلخّص شكر الإجراءات العملانية بـ:

- التنسيق بين الحزب والحركة على المستوى التنظيمي والحزبي وكلّ الأحزاب في المنطقة لوضع الضوابط والنقاط التي يجب العمل عليها.

- إتخاذ إجراءات موضوعية على مستوى القطاعات التي يتألف منها الحزب في المنطقة وتشكيل لجان بالتعاون مع العشائر والعائلات والفاعليات، كذلك تشكيل لجان من القرى.

- عقد لقاءات مع بعض أصحاب الإختصاصات الإجتماعية (علم نفس، إجتماع) لإبداء الآراء في سبيل إصلاح الواقع الإجتماعي العام.

- تنظيم برامج وندوات ثقافية تُحاكي الواقع الذي يجب أن يكون عليه واقع المجتمع في المنطقة.

- التواصل مع مختلف وسائل الإعلام التي تضيء على الأمن في المنطقة، كذلك الإستفادة من اللوحات الإعلانية.

ويؤكد شكر أنّ «الأهم هو حضور الدولة بكلّ أجهزتها الأمنية، وقيامها بواجباتها وفرض الأمن وتوقيف المخلّين، فـ»حزب الله» وحركة «أمل» لا يغطيان أحداً، والغطاء مرفوع عن أيّ مخل ومطلوب».

ويوجّه شكر عبر «الجمهورية» بإسم «حزب الله» وحركة «أمل» نداء إلى القوى الأمنية للحضور إلى المنطقة وفرض الأمن.

وعن لجوء المطلوبين عند كل خطة أمنية الى مراكز الحزب في الجرود، يشدد على أنّ «هذا الأمر غير صحيح، فالموانع مرفوعة عن الجميع، ولتتحرّك الدولة وتوقفهم إذا كان هذا صحيحاً، لكن هناك خللاً في بعض الأجهزة الأمنية بين مختلف الرتب ما يؤدي إلى إخبار المطلوبين بموعد الحملة». ومن هنا يطالب بتوكيل أمن المنطقة إلى ضابط غريب ومجموعة غريبة عنها.

وعن موضوع العفو الذي كثر الحديث عنه، يشرح شكر أنّ «الحزب والحركة لا يطالبان بالعفو العام، لكن هناك عملاً جدياً يجري الإعداد له ويتعلق بإعداد مشروع عفو عن الجرائم البسيطة وتقسيم وجدولة هذه الجرائم على المستوى الوطني».

ويؤكد أنّ الحزب «لا يطالب بأن يشمل العفو الجرائم الجنائية مثل القتل وتجارة المخدرات، بل الجرائم الجزائية، وهناك نية للتواصل مع القوى السياسية الأخرى على المستوى الوطني لدرس الموضوع والعمل عليه بجدية».

بدورها، عشائر وعائلات بعلبك الهرمل التي تلقّت بإيجابية خطاب نصرالله، بعدما بلغ الوضع حداً لا يطاق ما يضر بسمعتها وعاداتها وتقاليدها، تتمنى أن تصل إلى الحل المرجو.

ويقول خلدون شريف أحد وجهاء عشائر المنطقة والمرشح عن المقعد النيابي فيها: «ننظر كعشائر بإيجابية إلى خطاب السيد نصرالله على أمل ترجمته على أرض الواقع مترافقاً مع خطة إنمائية متكاملة للمنطقة وحضور إقتصادي فاعل، وأهمه إيجاد زراعات بديلة عن الحشيشة وإصدار بعض المراسيم والتشريعات اللازمة، وكذلك إيجاد أسواق تصريف إنتاج».

ويذكر أنّه «خلال الأحداث اللبنانية، بقيَت طريق بعلبك - الهرمل - القبيات سالكة وآمنة أكثر من طريق بيروت، ذلك لأنّ العشائر كانت تتحكم في مجريات الأمور، ولم يسمع خلالها عن قطع طريق أو عملية سلب وتشليح، حيث كان يمر مواطنون من مختلف الطوائف».

ويشير الى أنّ «السلطة اليوم في المنطقة هي سلطة الخارج عن القانون، فالأحزاب هي التي تفرض القانون، وبالتالي يتم تقليص دور الدولة ووضع حدود وضوابط لتحركاتها في أيّ عملية أمنية، كذلك خلق داخل العشائر عدد من الزعماء ما قلّص دور زعيم العشيرة وشتّت الآراء والقرار»، مؤكداً أنّ «للعشائر قانوناً يخضع له أبناء العشيرة كالقيم والعادات والتقاليد التي ترفض ما يجري اليوم، لكنّ الإنتساب الحزبي جعل البديل عن قرار العشيرة وعاداتها هو إلتزام القرار الحزبي».

ويبقى التمني بأن تعود منطقة بعلبك - الهرمل إلى سابق عهدها، ملتزمة القيم والعادات والتقاليد التي تحكم علاقات العشائر في ما بينها، بعدما خطفها قلة من الخارجين عن القانون وأضفوا عليها صبغة لا تليق بها.

 

الجمهورية