أين المشكلة؟ وهل المسألة الآن، وسط كل هذا التفكّك الذي يشهده العالم العربي، هي مشكلة دينية تتعلق بالإسلام وهويته، أو بمَعرفة الفرق والمذاهب التي تمثّله، وحدها من دون سواها، على الوجه الصحيح، لتصنيف سواها واستبعاده تحت هذه الخانة أو تلك؟
هل المشكلة هي تراجع العالم السنّي أو ضعفه في مواجهة القوة الشيعية الصاعدة بقيادة إيران ومن يؤيّدها أو ينخرط في مشروعها الاستراتيجي من شيعة العرب؟
قناعتي أن هذا تبسيط للمشكلة أو التفاف عليها وهروب منها. فالعالم السنّي هو عالم كبير وشاسع بسكانه وجغرافيته ودوله التي ليست مُستهدَفة. ولا أحسب أن إيران تفكّر في استهداف دول كماليزيا أو إندونيسيا أو باكستان أو تركيا.
العرب هم المستهدَفون، بقدر ما هم عاجزون عن تدبّر شؤونهم أو جمع كلمتهم على أمر من الأمور. وهم مستهدفون من كل اللاعبين على المسرح، غربيين وإسلاميين، وخصوصاً من الأميركيين والروس أو الإيرانيين والأتراك، الأمر الذي حوّل بلدانهم إلى ساحات مفتوحة وسائبة لتدخّل هذا الداعية المشعوذ أو ذاك الجنرال المتغطرس، هذا الزعيم المتواطئ أو ذاك الرئيس العاجز. من هنا يبدو العالم العربي اليوم، في أسوأ أحواله تمزُّقاً وتردّياً. فبعد قرنين من مناهضة السيطرة الغربية، تحت شعار مقاومة الاستعمار، يجد نفسه يستنجد بالدول الغربية، وعلى رأسها أميركا، فضلاً عن خصمها التاريخي والأيديولوجي روسيا، لحلّ مأزقه، هو الغارق في حروبه الأهلية وصراعاته السياسية.
 
البربرية والعدمية
لكن تدخُّل الدول الغربية ومن معها من الدول الإقليمية، لن يحلّ المشكلة، بل يزيدها تعقيداً واستقصاءً، هذا إذا لم يكن هو المساهم الأكبر في خلقها. ولعلّ هذا هو الفارق بين الاستعمار بشكله القديم وبين أشكال التدخُّل الراهنة. فالدول الاستعمارية أفادت البلدان العربية التي غزتها، على الصعد الحضارية والمدنية، بقدر ما استفادت هي، إن من حيث سيطرتها على ثروات تلك البلدان، أو من حيث اتخاذها مواقع لنفوذها الاستراتيجي.
أما اليوم فإن عودة الدول الغربية إلى التدخُّل، هي عودة بربرية لن تخلّف سوى الخرائب والمقابر. لا سيما أن أعمال القتل والتدمير والتهجير يُسهم فيها الطرفان الوحشيان: الأنظمة الاستبدادية في الداخل بعقولها الفاشية وميليشياتها العنصرية التي تقوم بأعمال التطهير الطائفي والتغيير الديموغرافي، مضافةً إلى قوى التدخل والوصاية من الخارج الإقليمي والدولي، وهي تستخدم بعقلية التوسُّع الإمبريالي والتشبيح الاستراتيجي، الطائرات العملاقة والأسلحة الذكية الفتاكة لقصف السكان المدنيين، على ما يجرى بشكل خاص في مدينة حلب، التي هي ضحية لسياسات تجمع بين التورط والتخبط أو السكوت والتواطؤ.
ومن المفارقات الفاضحة أن دولاً تنتج أسلحة الدمار الشامل تدّعي محاربة التنظيمات الإرهابية، لشن حروب مآلها إبادة الناس أفراداً وجماعات. وتلك هي العدمية التي هي الوجه الآخر للبربرية. إنها همجية الإنسان المعاصر الذي فقد سيادته على نفسه، على رغم كل هذه المواثيق حول احترام حرية الإنسان وكرامته وحقوقه، وعلى رغم كل هذه العهود من التنوير العقلي والإرشاد الديني والتعليم الخلقي. ولذا نراه بات أسيراً لأهوائه ونزواته، ولجهله بنفسه وبالواقع وبعواقب فعله. ولا غرابة أن تكون النتيجة هي ما يصدم ويفاجئ من المآلات البائسة والنهايات الكارثية. لنستفق من غيبوبتنا: إن القضية، وسط هذه البحار من الدماء، وهذا الخراب العميم، هي أن يعود العرب، من أصحاب المشروع الديني، إلى صوابهم لكي يتدارسوا الأوضاع المأزومة في بلدانهم. والأزمة التي باتت مستفحلة يسهم الجميع في صناعتها وتغذيتها. إذ الكل غلّب هوياته الفرعية الطائفية أو المذهبية على الهوية الجامعة، بقدر ما أحل منطق التنابذ والإقصاء محل منطق التعارف والتواصل.
الكل يشتغل بمنطق التكفير والترهيب. ولا فرق بين سنّي وشيعي، أو بين قاعدي وخميني، أو بين داعشي وحوثي، أو باختصار، بين المنظمات الجهادية والميليشيات المجاهدة لأهل الخلافة وأتباع الولاية. كلهم فتح المنابر والشاشات، طوال عقود، للمشعوذين من المفسرين والدعاة والخطباء، لكي ينشروا تراث الفرقة ويبثوا سموم الحقد والعداوة.
يشهدون على عجزهم عن إدارة الشأن الديني، الذي أفلت من سيطرتهم من حيث لا يعقلون ولا يتقون، لكي ينفجر حروباً أهلية أو يترجم منظمات إرهابية. والعلّة أن ما يحسبونه حل المشكلة هو الذي يصنعها، وما يتشبّثون به من الثوابت هو مصدر الآفات والعوائق. وهكذا فالمشروع الديني لم يعد هو الحلّ بل بات هو أساس المشكلة ومصدر الكارثة. والدرس عند من يعقل ويتبصر، هو إعادة ترتيب الأولويات:
أولاً، في ما يخصّ علاقة العرب بالدين سياسياً، بحيث تتقدّم هويتهم الوطنية على هويتهم الإسلامية التي أنتجت كل هذا العجز والإخفاق، لتدمر الحاضر وتلغم المستقبل. الأمر الذي يقتضي أن يعود أرباب العمل الإسلامي إلى رشدهم، فيتحلّوا بالتواضع، ويتخلوا عن لغة الاصطفاء والتكفير والاستكبار والتهديد، للقيام بمراجعة نقدية لمهنتهم ومهمتهم وهويتهم، على سبيل الإصلاح وإعادة البناء، عقيدة وشريعة، مؤسسة وممارسة، تعليماً وتوجيهاً، في ضوء ما يشهده العالم العربي والعالم من التحديات والتحولات.
فليحسن أهل العمل الديني قراءة الواقع. لم يعودوا مؤهلين لقيادة الناس والأوطان. لقد فقدوا الصدقية والحصانة، بعد أن سقط مشروعهم الذي ترجم بممارسة أسوأ السلطات، السياسية والثقافية والمالية، استبداداً وإرهاباً وفساداً. ولذا آن الأوان لأن ترفع وصايتهم الفاشلة والمدمّرة، على العقول والأجساد والمقدرات، لكي تتمكن المجتمعات العربية من مجابهة التحديات المصيرية، بفتح آفاق جديدة للتفكير والعمل الحضاري، تتيح لها صناعة الذات والمشاركة في صناعة الحضارة، باختراع صيغ ونماذج جديدة للنهوض والنمو والتقدم.
ثانياً، في ما يخصّ علاقة العرب بالبلدان الإسلامية غير العربية. آن الأوان لإعادة النظر في هذه العلاقة، كما تمثّلها المؤسسات والهيئات الإسلامية التي فقدت صدقيتها وانكشف هزالها، فضلاً عن المؤتمرات الفاشلة التي تعقد تحت راية الإسلام، وكان آخرها المؤتمر/ الفضيحة في غروزني، وهي شهادة على أن هذه المؤتمرات أعجز من أن تجمع، فكيف إذا كان هدفها الأصلي هو التفرقة؟! فماذا جنى العرب مثلاً من صلتهم الدينية ببلدين إسلاميين كبيرين كباكستان وإيران، سوى استيراد النماذج الأصولية التكفيرية أو المنظمات الجهادية الإرهابية؟ الأجدى والأنفع أن ينسجوا علاقات مع الدول التي نجحت في صناعة الحياة، ببناء نماذج مفيدة، بناءة، جذابة.
 
الهوية الوطنية أولاً
المغزى من هذا النقد أننا تجاوزنا، في التوصيف والتقييم، التصنيفات الطائفية والمذهبية التي لا تصنع سوى الحروب الأهلية. فالتصنيف الإيجابي ينبني على التفريق بين نمطين في التعامل مع الهوية: نمط مغلق، راديكالي، عدواني، يشد صاحبه إلى الوراء، بقدر ما يدمر جسور العلاقة بينه وبين شركائه في اللغة والوطن. مقابل ذلك هناك نمط جديد، منفتح عصري، يتعاطى صاحبه مع نفسه بوصفه مواطناً يعيش في دولةٍ ديموقراطية مدنية هي دولة القوانين والمؤسسات لا دولة الشريعة والفتوى. وهذا من شأنه أن يمارس هويته بصورة عابرة للأطر والحواجز التقليدية، الطائفية أو المذهبية أو العرقية.
خلاصة القول: أعتقد أن النقاشات الدائرة اليوم بين علماء المسلمين، حول هوية المسلم الحقيقي، تجعلني أستحضر الجدل الذي دار في مطلع القرن العشرين، في مصر، حول ما إذا كان آدم هو نبي أم لا. وقد رفعت القضية إلى المحاكم الشرعية لبت الأمر، إذ على قرارها كان يتوقف الحكم عما إذا كان القائل بنبوة آدم أو بنقيضها هو كافرٌ أم مؤمنٌ. ولكن القاضي الذي نظر في القضية كان رجلاً منفتحاً على العصر ومنجزاته. ولذا فقد رد الدعوى، متسائلاً بمرارة وسخرية: هل يعقل أن نهتم بقضايا نافلة كهذه، فيما الغربيون يحرزون كل هذا التقدم الهائل في العلوم والمعارف والأدوات والنظم وسائر وجوه الحياة؟!
ويبدو لي أن ما يدور اليوم من جدل ديني يشبه الجدل الذي دار منذ قرن، بل هو أسوأ منه، لأنه يعني أننا لا نتعلم الدرس، بل نجرب المجرب ليزداد الخراب والفساد. نحن إزاء نقاشات بيزنطية، حول قضايا ميتة، تضيع الوقت وتهدر الفرص، لأن المشكلة هي في مكان آخر: كيف تتعامل المجتمعات العربية مع معطيات وجودها، بما فيها التراث الديني، باختراع صيغ وقواعد جديدة لحياتها، بصورة تتيح لها إدارة شؤونها الوطنية وأعمالها المشتركة، بعقل تداولي، تبادلي، ليبرالي، كما تمكنها من مواجهة التحديات الحضارية المتعلقة بعناوين المعرفة والديموقراطية والتنمية والإدارة والأمن، لكي تحتل مساحتها على خريطة العالم، على سبيل الإبداع والجدارة والاستحقاق.

علي حرب