قلتُ أهربُ من مشاهد حلب. من هذا الفصل الملحق بالحرب العالمية الثانية. من الجثث الصغيرة. ورائحة اللحم المحروق. وأكاذيب لافروف. والقنابل الذكية. تعجبني هذه التسمية. قنابل تقتحم الملاجئ والأنفاق. قنابل عائلية تصطاد العائلات في مخابئها. والعصر عصر التخصُّص. هذه قنبلة تصطاد الأطفال الذين يخفون في جيناتهم ميولاً تكفيرية. وهذه للأطباء والمسعفين. وتلك لقوافل المساعدات الإنسانية التي لا تصل. قلتُ أهرب وسلكتُ طريق الجنوب. ربما لأتذكر يوم كنا عرباً. وكان رداء العروبة يغطي أحقادنا وخناجرنا.
عندما ينزل الليل على المخيم يشعر محمد بالاختناق. ليس بسبب الفقر وهو مقيم قديم. وليس بسبب تراجع المساعدات، وتزايد معدل البطالة، واكتظاظ الغرف الصغيرة المرتجلة، وغياب الخدمات. يخنقه شعوره بأنه وُلِد في المخيم وسيموت فيه. تماماً كما مات جده الذي طُرِد من أرضه، ووالده الذي علّق صورة ياسر عرفات على الجدار المتهالك.
يشعر محمد بالاختناق لأن السنوات تتوالى في المخيم كالطعنات. يتضاعف البؤس ويتآكل الأمل. مرّ ياسر وأشعل قنديل حلم العودة. ومر جورج حبش و «أبو جهاد» ووديع حداد. مرّوا ورحلوا. حاولوا إيقاظ ضمير العالم وفشلوا. تناسلت المستوطنات هناك وترسّخت المخيمات هنا.
كنتُ أحاول لملمة نُتَفٍ من قصة «إرهابي ناصع» ربطني به خيط من الود. وصلتُ قبل موعدي إلى أطراف مخيم عين الحلوة في صيدا فلجأتُ إلى مقهى شعبي مجاور. جاءني محمد بكوب من الشاي بالنعناع. وسهّلت قلة الرواد انطلاق الحوار.
قال أن الفلسطينيين لم يتنازلوا عن قضيتهم ولن يفعلوا. لكن الوقت يسقي شجر اليأس. وأنه تعب من الشعارات والاجتماعات، من الإشكالات الأمنية ولجان التهدئة. من الحوادث الفردية واجتماعات الفصائل.
نفى أن يكون المخيم خزّاناً للإرهابيين مع إقراره بوجود مضلّلين. قال أن المخيم يشبه هذا العالم العربي، وأن متشددين يستغلّون الشباب الغاضب واليائس ويعرضون عليه اختصار الطريق إلى الجنة. لكنه شدّد على أن المتطرفين قلة.
رأى أن إسرائيل حقّقت في السنوات الأخيرة انتصارات مدوّية من دون أن تقاتِل. وقال أن علاقات إسرائيل بأميركا وروسيا والصين وغيرها توحي بأن الأفق مسدود فعلاً أمام الفلسطينيين.
وتحدّث عما أصاب العراق وسورية ولبنان واليمن وليبيا، وعما لحق بشعوبها وجيوشها. فاجأني قوله أنه لا يريد المبالغة في الشكوى، وأن أوضاع سكان المخيم قد تكون أفضل من أوضاع ملايين من العراقيين والسوريين. وتخوَّف من أن تساهم النكبة السورية في طي صفحة النكبة الفلسطينية نهائياً. واعترف بأن الفلسطينيين لم يتعرضوا لما تعرّض له مَنْ ركبوا قوارب الموت أو مَنْ دهمتهم حملات الإبادة والتطهير.
قال: «أخجل أن أروي لك معاناة أهل المخيم. ربما كانت أوضاعهم أفضل من أوضاع نازحي الفلوجة. مصيرهم أفضل بالتأكيد من مصير مَنْ كانوا سكان داريا. حالهم أفضل بكثير من أحوال أبناء الأحياء المنكوبة في حلب. يبدو أننا لم نخسر فلسطين وحدها. ضاعت دول كثيرة وماتت عواصم كثيرة. أطفالنا على الأقل يذهبون إلى المدارس ولو كان مستوى التعليم متدنياً. ملايين من الصغار السوريين والعراقيين تضيع أعمارهم الآن في مخيمات النزوح. أخاف أن تكون نكبتنا أقل من النكبات الحالية والمقبلة».
وختم محمد ساخراً: «إذا كان كل ما حل بالفلسطينيين والأمة لا يكفي لإقناع الرئيس محمود عباس وخالد مشعل بالاجتماع، فكيف تنتظر أن تكون معنويات أهل المخيم؟ وإذا كان جون كيري لا يستطيع تمرير المساعدات إلى شرق حلب، فكيف يستطيع إقناع نتانياهو بإعادة حقوق الفلسطينيين»؟
غادرتُ المقهى وذهبتُ إلى موعدي. في طريق العودة إلى بيروت كانت كلمات محمد تتردّد في داخلي. كنا نحلم بأن تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة، وبأن يتاح لسكان المخيمات أو قسم منهم أن يعودوا إلى تراب أجدادهم. لم نتوقع أن ينضم ملايين العرب إلى فئة سكان المخيمات.
مخيمات... مخيمات.
والمخيمات الجديدة أقسى من السابقة وأفظع. مدننا فَقَدَت علاقتها بالحاضر والمستقبل وتحوّلت مخيمات. دول كاملة استحالت مخيمات. غياب المؤسسات يجعل الدولة مخيماً كبيراً لا ينجب غير المخيمات. هكذا صارت الدول موزَّعة ميليشيات واستباحات ومخيمات.
لا ينجُبُ التكفير إلا المخيمات. لا يَعِدُ التعصب بغير المخيمات. التسلُّط أقرب الطرق لإشاعة البؤس والمخيمات. القطيعة مع العصر تحوّل المدن العريقة مخيمات قاتلة. الانغلاق يحوّل الجامعات مخيّمات معتمة. وفي هذا الظلام، تولد الميليشيات وتترعرع وتدوم. تلتهم حقوق الناس والدساتير وروح العواصم والمدن. الويل لأحفادنا من عصر المخيمات والميليشيات.