يضع اللبناني نفسه في جوّ اللاعودة مع كلّ خروجٍ له من المنزل، فتراه متأقلماً مع الجو العام الذي ينبئ بأنه إذا ما خرج من منزله يمكن أن يذهب ضحية رصاصة حزن أو فرح طائشة، أو انفجارٍ إرهابي، أو حادث سير في ظل غياب السلامة المرورية، أو يقضي نازفاً على أبواب المستشفيات، أو تنتهي حياته بفيروس هجين قد يلتقطه من بعض النفايات المجاورة... ومؤخراً أضاف اللبناني إلى لائحة الموت المجاني واحدة من أبشع الاحتمالات، وهي أن يقرر أحدهم أن ينهي حياته على خلفية أحقية المرور في أحد الشوارع مستفيداً من نظام الغابة الذي يرزح تحت وطأته اللبنانيون وحالة الفلتان الأمني على الطرقات وغياب المراقبة.
 
كلّنا نتذكر جيداً اسم جورج الريف الذي دفع حياته ثمناً غالياً على مذبح أحقية المرور، في تموز الـ2015 ، واسم قاتله طارق يتيم الذي أعطى لنفسه الحق، مستفيداً من شريعة الغاب، بإنهاء حياة الريف من دون وجه حق. ما زالت قضية الريف ويتيم تحت قبة القضاء، وما زالت الشوارع اللبنانية تردد صدى مارّة أو "وحوش اجتماعية" إذا صح التعبير، يعانون من حالات ذهنية غير متوازنة بفعل الكحول أو المخدرات أو غيرها، ويشكل تواجدهم في ساعة وحالة معينة في الشوارع خطراً متنقلاً على حياة الآخرين. وما زلنا نسمع بين شارع وآخر روايات الموت المتسلل إلى يومياتنا بفعل قانون سير لا يُطبق وقوى أمنية غائبة عن مراقبة هذه الحالات التي يُحرّم عليها القيادة وفق القوانين المرعية الإجراء. فكادت الجريمة نفسها أن تتكرر مساء الأول من أمس على أوتوستراد جونية بيروت، مع بشير مظلوم، الذي تعرض للضرب من مجهول على الاوتوستراد نفسه، ووحدها العناية الإلهية كتبت التمديد لحياته التي حاول أحدهم إنهاءها بواسطة "بوكس حديدي" أو ما يسمى بـ"بونيي".
 
تفاصيل الحادثة
يروي مظلوم لـ"البلد" تفاصيل الحادثة التي حصلت معه مساء الأحد في تمام الساعة السابعة، على اوتوستراد جونية- بيروت من منطقة الكازينو وصولاً إلى المنطقة المعروفة بنافعة جونية، بينما كان متوجهاً هو وزوجته وطفلاه من مار شربل إلى بيته الواقع في منطقة بيت شباب، وكان يرافقه على الطريق نفسها شقيقاه وعائلتاهما في سيارتين اخريين، إلا أن السيارات الثلاث لم تكن خلف بعضها البعض نسبة لزحمة السير في المحلة.

بدأت المناكفات على أحقية المرور بداية مع شقيق بشير بالقرب من الكازينو، ولم يعطِ بشير وشقيقاه أهمية للموضوع وتابعوا سيرهم، على مبدأ أنه "واحد مستعجل" كالنماذج التي يصادفها اللبناني يومياً في طريقه. وبالقرب من نافعة جونية عادت السيارة نفسها لتكسر على بشير وحاول صاحبها التضييق عليه، فتشاجرا كلامياً، وأغلق بشير مرآته خوفاً من أن تتعرض للأذى بسبب المضايقات من السيارة الأخرى. وحاول بشير جاهداً الابتعاد عنه تفادياً لأي إشكال، وإذا به يترجل من سيارته ويتحدث لأحد رجال الأمن الذي كان متواجداً في تلك النقطة، وبعدها يتوجه إلى سيارة بشير مستفيداً من زحمة السير ويضرب بيده على السيارة ويعاود مشاجرته كلامياً. فيحاول بشير الابتعاد عنه مجدداً حفاظاً على أرواح عائلته، إلا أن الشاب كان "مصراً على افتعال مشكلة" فلحق به، قطع طريقه وترجل من سيارته وبدأ بضرب بشير بـ"بوكس حديدي" على رأسه عدة ضربات متتالية، وبدأت الدماء تنزف من عدة أماكن من رأس بشير، وذلك على مرأى زوجته وطفليه الذين عاشوا لحظات رعبٍ وتوتر يصعب أن تمحى من ذاكرتهم، وأمام أنظار عشرات المارة. وخلال دقائق وصل شقيق بشير الذي أُصيب بكتفه أيضاً، محاولاً إبعاد الجاني عن شقيقه وتضارب معه خارج السيارة قبل أن يفرّ هارباً باتجاه سيارته إلى جهة مجهولة.

ومن بعدها لملم بشير مظلوم جراحه، ضمدها في صيدلية مجاورة بشكل أولي، وبحالته تلك توجه إلى مخفر الدرك الواقع بالقرب من الملعب البلدي في جونية، لتقديم شكوى ضد صاحب سيارة الشيفروليه من نوع "سبارت"، ولكن لم تكتشف القوى الأمنية اسم صاحب السيارة لأن رقم السيارة "إما مزوّر وإما خطأ".
 
قيد المجهول
بقيت هوية الجاني مجهولة، حتى كتابة هذه السطور، لا سيما وأن لا كاميرات مراقبة في المنطقة التي حصلت فيها الحادثة، ما يجعل حق الضحية الذي يعاني اليوم من ثلاثة جروح كبيرة في رأسه (كل جرح تمت معالجته في أحد المستشفيات القريبة بثماني قطب طبية)، ومصير آخرين قد يصبحون ضحايا مثله، إذا شاء سوء القدر أن يتواجدوا مع الجاني في شارع واحد، معلّقاً بجدية تعاطي القوى الأمنية مع قضية بشير مظلوم ومراجعة كاميرات المراقبة الموجودة في نقطة الكازينو ما قبل نافعة جونية... فهل ستتعاطى القوى الأمنية بجدية مع هذه القضية أم أن الجاني المجهول سيبقى خطراً حاضراً في الشوارع اللبنانية إلى أجلٍ غير مسمى...؟!


البلد