منذ أن تقدّم إبراهيم بحلق أمام قوس المحكمة العسكريّة، والخوف بادٍ على ملامحه حتى ارتبك وأدلى بإفادات متضاربة.

ما أربكه أكثر تقصُّد رئيس «العسكريّة» العميد الرّكن الطيّار خليل إبراهيم بالطّلب من العسكريين إعطاء الموقوف منديلاً ورقياً علّه يمسح عرقه المتصبّب على جبينه، ثمّ طلب قنينة مياه للموقوف الذي يبلع بريقه، فما كان منه إلّا أن رفض في البداية قبل أن يعود ويلتقط القنينة بيدين مرتجفتين.

طوال الجلسة، أصرّ بحلق على أنّه لا يعرف أيّا من المسلّحين الذين انتشروا في عرسال فور اعتقال مسؤول «فجر الإسلام» عماد جمعة الملقّب بـ «أبو أحمد» في الأول من آب 2014، ولا حتّى أحد عناصره المدعوّ إبراهيم التويني، قبل أن يعود ويشير إلى أنّ زوجة الأخير كانت قد استأجرت منزلاً يملكه (بحلق) والتويني كان يتردّد عليها، ثمّ تراجع عن إفادته ليؤكّد عدم معرفته به، برغم تأكيده أن التويني اتّصل به فور اندلاع معارك عرسال ليأخذ مفتاح الشقّة.

حاول الموقوف أن ينفي توجهه إلى حيّ السبيل خلال المعارك، ويلفت الانتباه إلى أنّ الإصابة في كتفه كانت من جراء إطلاق النّار عليه من قبل المسلحين الذين استدرجوه ليقتلوه ويقوموا بسلبه «البيك اب» الخاص به وهاتفه. بالنّسبة له، فإنّ المسلحين استغلّوا البلبلة داخل عرسال لتصفيته!

لماذا؟ لا يملك ابن الـ25 عاماً إجابة لهذا الاستهداف، قبل أن يتذكّر أنّه ينتمي إلى «الحزب السوريّ القومي الاجتماعيّ» ولو أنّه لا يعلم شيئا عن فكر أنطون سعادة «لأنني لم أقرأ له أي شيء». بجديّة مطلقة، قال الشاب «نعم أنا أنتمي للحزي القومي منذ أن كانت عائلتي في ضهور الشوير في التسعينيات»، ليتبيّن أن عمره كان 4 سنوات!

وإذا كان بحلق ينفي انتماءه إلى أي مجموعة مسلّحة، فإنّه أيضاً أنكر التّهمة الموجّهة إليه بقتل الضابط نور الدين الجمل في «مهنيّة عرسال». لم تكن هذه الشبهة تحوم حوله حينما تمّ القبض عليه في تشرين الأوّل 2014 وهو يمرّ عند حاجز الجيش وبحوزته هويّة شقيقه. أوقف الشاب بتهمة استخدام المزوّر قبل أن يعترف بكلّ ما له.. وعليه.
وفي التّفاصيل التي رواها بحلق في إفادته الأوليّة أنّه كان مقرّباً من المسلحين الذين يتردّدون إلى محلّه الخاص بالمواد الغذائيّة في جرد عرسال، حيث سلّمه المسؤول في «جبهة النصرة» أبو حسين السحلي بندقيّة من نوع كلاشنيكوف و5 مماشط تحتوي على حوالي الـ300 طلقة، بعدما قبل بحلق بانضمامه إلى «النصرة»، ومؤكّداً أنّه لا يحتاج إلى تدريب عسكريّ باعتباره ملمّاً بالسّلاح منذ صغره.

وفي 2 آب 2013، اتّصل به «السحلي» وطلب منه الذهاب وبحوزته سلاحه إلى حي السبيل حيث كان يتمركز 100 مسلّح. ومن هناك، طلب منه السحلي الانتقال مع آمر إحدى المجموعات التّابعة لـ «النصرة» وملقّب بـ «سيفو» (علم لاحقاً أنّه شقيق «السلس» المسؤول في «النصرة» الذي قتلته «داعش»)، إلى منطقة رأس السرح بهدف قطع الطريق عند مفرق المستوصف لمنع المدنيين اللبنانيين، ولا سيّما السوريين، من مغادرة عرسال.

وتنفيذاً لهذه الأوامر، قطعت المجموعة الطريق بالقرب من «فرن السّماح» الذي يقع في أوّل عرسال، قبل أن يتقدم محمّد اليبرودي وهو من مجموعة عماد جمعة من بحلق ويطلب منه مرافقته ومجموعته إلى «المهنية» وقيادة «بيك اب» من نوع «جي. ام. سي» مثبت عليه رشاش من نوع «دوشكا» لمهاجمة مركز للجيش.
وعند الدوّار وقبل الوصول إلى المهنيّة بحوالي الـ500 متر، ركن بحلق الـ «بيك اب»، ثم ترجّل اليبرودي وبحلق واثنان من المسلحين من السيّارة وبدأوا بالتسلّل مع المجموعات الأخرى.

وعند سور احدى الفيلات، تمركزت المجموعة فيما كان اليبرودي وبحلق خلف تلّة ترابيّة، وتمّ رصد مجموعة من 5 أو 6 عناصر من الجيش يسيرون إلى جانب ملّالة للجيش متمركزة بين الأشجار وخلفها.
وعلى الفور، بادرت المجموعات المسلّحة بإطلاق النّار على العسكريين، فيما «نيشن» بحلق باتّجاه أحد العسكريين الذي كان يقف في الخلف وأطلق النّار عليه ليقع أرضاً، وردّ الجيش على مصادر النيران ليصاب بحلق في ظهره ويتمّ نقله إلى «مستشفى أبو طاقية».
بقي بحلق واعياً وهو يشاهد ابن «أبو طاقية» عبادة الحجيري ومعه وليد عز الدين ووليد جمعة يشرفون على إدخال 6 أو 7 عسكريين مخطوفين على متن «بيك اب» أبيض مطليّ بالوحول.

وفي اليوم التالي، استقبل بحلق التونيني وابن عمّه فادي في المستشفى، وهما أخبراه أنّ المقّدم نور الدين الجمل قتل برصاصته.
أمس، وقف المتّهم بقتل الجمل أمام هيئة «العسكريّة»، كما لو أنّه سينهار بفعل ضغط الاستجواب من قبل العميد إبراهيم، مؤكّداً أنّ اعترافاته في إفادته الأوليّة أتت تحت الضغط والتعذيب. أصرّ بحلق على أنّه ضُرب في وزارة الدّفاع كي يعترف بما قاله، قبل أن يرتكب «سقطته» الأهم في نهاية الاستجواب، قائلاً: «في وزارة الدّفاع (حيث أُخذت إفادته الأوليّة) عاملوني منيح، بس في اللواء الثامن ضربوني وكهربوني»!


السفير