ليس بالأمر الهيّن تحقيق المطلب الروسي الفصل بين "جبهة النصرة" والمعارضة السورية المصنفة أميركياً في خانة الاعتدال. هذا الفصل يعني أن المعارضة ستكون أقل قوة بكثير في الميدان ولو لم تتعرّض لغارات سلاح الجو السوري. وهذا ما سينعكس إنخفاضاً حتمياً في سقف المطالب السياسية للمعارضة، وإبداء مرونة أكبر في التعامل مع الحوار السياسي الذي سيكون محكوماً بالتوافق الروسي - الاميركي.

وبديهي أن تتمسك الفصائل المرعية أميركياً قدر الامكان بارتباطها بـ"النصرة". فكثير من هذه الفصائل يستلهم ايديولوجية تنظيم "القاعدة" ولو لم يكن يقيم ارتباطاً بالتنظيم الام على غرار "النصرة". وأميركا تدرك واقع الحال لكنها تتشبث بتسليح هذه الفصائل ودعمها باعتبارها رأس الحربة في مواجهة النظام السوري. وحتى الحرب على "النصرة" تُواجه معارضة شديدة في بعض دوائر القرار الاميركي، تحت شعار خطورة تقاسم المعلومات العسكرية والاستخبارية مع موسكو، بينما المسألة أبعد من ذلك. إذ أنه على رغم الاتفاق الروسي - الاميركي، لا يزال هناك من يعتقد في أميركا ان "النصرة" هي ورقة قوية في يد الولايات المتحدة في الميدان ضد الجيش السوري، وانه لن يكون في امكان بقية الفصائل "المعتدلة" تعويض الخلل الميداني المحتمل.
ثمة اعتقاد سائد داخل المعارضة "المعتدلة" وفي أوساط داعميها، أن فصل توجيه ضربات جوية روسية - أميركية مشتركة الى "النصرة"، يعني أن عبئاً عسكرياً كبيراً قد أزيح عن كاهل النظام في دمشق. وهذا ما لا يريده هؤلاء الأطراف لأنهم يدركون أن ورقة الميدان التي كانوا يضغطون بها على النظام ستضعف كثيراً وتالياً سيكون مضطرين الى الدخول في الكثير من المساومات.
وفي هذا السياق أتى هجوم المعارضة في القنيطرة ودخلت اسرائيل بقوة على خط استفزاز سوريا بالتزامن مع ولادة اتفاق وقف النار في جنيف.
والمتضررون من إبعاد المعارضة "المعتدلة" عن "النصرة"، يقاومون وقف النار على أساس ما يتضمنه لاحقاً من خطوات في السياسة ومن تخلٍّ عن الكثير من الشعارات التي رفعت منذ أكثر من خمسة أعوام. وإذا كان الكثيرون يقرأون اتفاق وقف النار بأنه انتصار لسياسة روسيا في سوريا، فإن وزير الخارجية الاميركي جون كيري قال بوضوح إن عدم الاتفاق كان سيعني "سحق" المعارضة المحسوبة على الولايات المتحدة بواسطة سلاحي الجو السوري والروسي ومزيداً من الارتماء للمعارضة في أحضان "النصرة" و"داعش".
لهذه الأسباب لن تكون عملية الفصل بين المعارضة و"النصرة" عملية سهلة. لكن مردودها السياسي يستحق المحاولة.

سميح صعب