غرائزُ ذئب شهوانيّة بحثت عن فريسة لها لتلبي رغباتها وميولها الجنسيّة فلم تشبعها معالم أنثوية عقدت قرانها عليها أو جسد عشيقة إرتجاليّة، لا بل اقتادتها الوقاحة نحو انتهاك حرمة الأبوّة والمعايير الأخلاقيّة، وذلك عبر سفك براءة طفولةٍ من شحمها ودمها لم تعِ بدورها يوماً حقيقة التّمييز بين أعمال الرّذيلة والفضيلة. 
وفي مجتمع لبنانيّ تآكلته مداميك الفساد في صلب شرايينه وأمام انحلال العقل الإنساني ولاوعيه، تطالعنا سلسلة من الأفعال الشّاذة التي تقشعر لها الأبدان وتطاول انتباه سامعها للوهلة الأوّلى ، ليطرح دوليك تساؤلات مختلفة: لماذا يتصرف بعض البشر بهمجيّة وأنانيّة ؟ ما ذنب طفلة لم تكد أن تطأ قدميها بيئة النمو والاندماج الاجتماعي فحكمت سلوكياتها بالإندثار؟ من سيحاسب هذا "الوحش" اللّعوب على اختلال توازنه ؟ ومن سيخاف على مصير النعجة الضّالة إن كانت أمّها تركتها وحيدة في شباك أبيها الجزّار؟

 
يلامس جسدها الصغير وتداعبه... "خلص، خلص"

ابنة الخمس سنوات "ياسمين" استُنشِقت بوادر رياحينها وسط ظلمة اللّيل وصمته الدّفين، وخطوات ضئيلة تفصلها عن مرحلة اقتلاع أوراقها البيضاء من قبل غارسها الحقود... إذ لولا صدفة القدر والشعور بالراحة والطمأنينة لما نطقت "ياسمين" بشفاهها الورديّة وسردت لجارتها البالغة والمتزوجة تفاصيل شذوذ والدها وأفعاله المنحطة تجاهها، معتبرة ذلك بمثابة روتين وواجب طبيعيّ نحوها. 
وباشمئزاز ومرونة في المفردات، أشارت الطفلة الى أن والدها ينام معها ويعمد على ملامسة جسدها وأعضاءها، بالإضافة الى أنّه يطلب منها مداعبته، وبالمقابل لم تكن تكتفي هي بمحاولة إيقافه عبر قول "خلص، خلص...".                                
أمّا هذه الأحداث، فغالباً ما تدور بكتمان مساءً، حيث تكون أمّ "ياسمين" غارقةً بنومها الى أبعد حدود. ولفتت الطفلة الى أن "هذه التّصرفات المتكررة لا تشملها فقط لا بل تعدتها لتطاول بعض أصدقائها في الحيّ والمدرسة". 


...تركتهم في سجن أبيهم المنحرف

في البداية، لم تخبر "ياسمين" والدتها بالأفعال الدنية لوالدها الذي يعمل كسائق أجرة، وذلك نظراً لأجواء منزلهم المتواضع الواقع في طرابلس غير المريح والمؤاتي للصراحة الكلاميّة. فأصوات الصراخ بين الوالدين تعلو في أرجاء المحيط مخلفةً صداها، ناهيك عن التّعنيف اللّفظيّ والجسديّ للأمّ المتحسرة على واقعها الداعي للشفقة والخائفة على مصير صغارها بعد مطالبتها غير المجدية مراراً وتكراراً بالطلاق لترتاح من محنتها. 
ولكن بعد إفصاح "ياسمين" عن الجريمة المرتكبة بحقها، بادرت الجارة بإخبار الأمّ التي تفاجأت وهرعت مباشرة تجاه ابنتها لتتأكد من ممارسات زوجها الحقيرة وتستوضح معالم القصة...  ويا ليتها تكتمت عن الخبر عندما علمت به وهربت بعيداً بصغارها ولم تتجادل وتطلب الطلاق في لحظتها، فهي حصلت على ما كانت تبغيه بعد رفعها دعوى بحق زوجها إلا أنّها فقدت أغلى ما ملكت "طفليها".  
أمّ "ياسمين" اليوم تواسي آلامها وحيدة، تقطن في منزل أهلها، ومشتاقة لصغارها ونادمة على تركهم في سجن والدهم المختل نفسيّاً. إلا أنّ تصرفاتها هذه والتّخلي عن كبديها عكست رضوخها لقرار أهلها الذين أجبروها على التّنازل عن أولادها في الوصاية والسكوت عن موضوع "التّحرش الجنسيّ".

 
وصمة عار وآثار جانبيّة

غريبٌ ما آلت إليه ظروف الحياة... هذا ليس قدر محتوم لا بل خطيئة مميتة... الطفلة ستموت على يد أبيها السفاح والأمّ متناسية!  
هذه اللامبالاة ستطبع وصمة عار على مستقبل الطفلة مخلفةً آثارها الجانبية السلبية إن لم يتحرّك أحد ليردع هذا "الرجل المنحط"، فمناداته بالأب تشكل خسارة كونية بحقه. إذ بدل توفيره الحماية والرعاية والإرشاد كأي ربّ أسرة محترم يخاف على أولاده ويسعى جاهداً لإعدادهم وتربيتهم كقدوة لهم، هو عمد على زرع بذور مدعومة بالسموم والإنحراف.                                                 
فرضيّات جمّة قد تؤول إليها الأذهان البشريّة مشكّلةً نتائج رذالة تحرّش الأب بابنته الصغيرة "ياسمين" واستغلالها جنسيّاً، ومنها الإساءة الجسديّة بمختلف معاليمها كإحداث آثار مؤلمة في جسمها، كدمات، احلال شرفها والتّسبب لها بالموت، أو تكوّن جنين غير شرعي في أحشائها... بالإضافة الى الأذى النفسي والاجتماعي للإعتداء على المدى القصير والطويل كالتسبب بالإكتئاب، القلق والخوف، اضطرابات في النوم، سوء تقدير الذات، الانحراف وسلوك درب الجريمة والانتحار...  

 
التّحرش الجنسي بالأطفال... والقوانين حبرٌ على ورق!

لبنان وقع على الاتفاقية الدولية الخاصة بحقوق الطفل ولا سيما ما ورد في المادة 19 منها والتي تنص بـ "حق الطفل في الحماية من جميع أشكال العنف، الضرر، الإساءة البدنية، العقلية، النفسية، الإهمال أو الاستغلال".                                                   
الى ذلك، يعتبر قانون العقوبات اللّبناني "أن أفعال التحرش الجنسي بالأطفال وارتكاب الفحشاء أو الأفعال المنافية للحشمة ضدهم جرائم جزائية تستوجب الملاحقة والمساءلة والمعاقبة". وبحسب المادة 507 منه، تنصّ جريمة التحرش الجنسي "أن يلجأ الجاني إلى استعمال وسائل محددة كإصدار الأوامر، التهديد، الإكراه ، أو ممارسة الضغوط بقصد إجبار الضحية ( خصوصاً القاصر) على الاستجابة لرغباته الجنسية ويعاقب بالأشغال الشاقة مدة لا تقل عن ستة سنوات".

 
الجاني... يسرح ويمرح

وعلى الرغم من بروز بعض الإحصاءات التي حدّدت نسبة التّحرش الجنسي بالأطفال في لبنان وسلطت الضوء على ارتفاعها، إلا أنّها تبقى غير رسمية ودقيقة، وذلك نظراً لعدم الكشف عن الجرائم  المتعددة المرتكبة بحق الأطفال في مختلف المناطق. فالمشكلة الجوهريّة تكمن في الأسباب الاجتماعيّة المتجليّة بالتّستر عن الجريمة خوفاً من الفضيحة المرتقبة والاعتقاد أن الضحية ستنسى ولن يشكل عليها ذلك أي خطر وجودي، ناهيك عن الجهل القانوني والتفكير بأن الجاني لن يعاقب بل سيسرح ويمرح في ربوع الحريّة.
وفي ظل دوامة مهترئة تسودها الديدان وتنبعث منها شرارة الآفات الاجتماعيّة تبقى التّوعية أفضل خيار تسلكه منابع التّنشئة الاجتماعيّة (الأهل، المدرسة، البرامج التثقيفيّة عبر التلفاز...) لإرشاد الأطفال على  رفض ومقاومة أيّ سلوك منافي للقيم والعادات التربويّة حتى لو كان ناتجاً عن أقرب المقربين إليهم. فهل سنرتقي يوماً بالمجتمعات المتطورة التي تواكب الطفل منذ نموّه وتضمن تبليغه عن أي ممارسات شاذّة نحوه؟ ومتى يستشيط الضمير الحي ويعي حقيقة أخطائه المميتة فيطلب الغفران من ملائكة حكموا بالموت وليس من حسيب أو رقيب؟ 


الجمهورية