قد لا يكون "أيام أرانخويز الجميلة" (مسابقة)، التحفة الفنية المنتظرة من فيم فندرز في أول عمل له ناطق باللغة الفرنسية ومصوَّر كلياً في ضاحية باريس القريبة، إلا أنه فيلم يستحقّ التحية لغير سبب. السبب الأهم في رأيي هو أنّ المخرج الألماني الكبير على غرار آلان رينه ومانويل دو أوليفيرا وآخرين قبله، لا يزال، بعد خمسين سنة من الإخراج، مشبّعاً بروح التجريب والاختبار ومأخوذاً بحسّ المغامرة داخل مناطق غير مستكشفة من السينما. وهذه المنطقة غير المستكشفة أعني بها التلاعب بين اللغة والصورة، أو ذاك الحوار الخفي بين ما نسمعه وما نراه (أو نتخيله). والتفاوت هنا بين ما نسمع ونرى هائل، قد يخلق ارتباكاً عند المُشاهد المحصن بتقاليد تلقيه الاعتيادية. معظم الأفلام تكون الصورة فيها وصفاً للكلام، وفندرز أرادها مختلفة. كان في إمكانه التحوّل إلى مؤسسة سينمائية راسخة أو إلى مخرج يلهث خلف المشاريع المضمونة، ولكن هذا لا يرضي تطلعاته. عمله الجديد (أفلمة لنصّ صديقه بيتر هاندكه) الذي لم يسلم من النقد اللاذع عقب عرضه في  مهرجان البندقية  (٣١ آب - ١٠ أيلول)، صوّره فندرز بالأبعاد الثلاثة، كما هي حال أفلامه الثلاثة الأخيرة.

 

 

تتسلل الكاميرا مع بداية الفيلم إلى منزل بورجوازي، وصولاً إلى مكتب حيث يجلس رجل أمامه آله طباعة، من المفترض أنه كاتب قصة نكتشفها تباعاً. إنه الصيف والشمس ساطعة، والرياح تهبّ برقة على الأشجار فتتمايل الأغصان على إيقاعها. في الحديقة، رجل وامرأة يجلسان إلى طاولة. في الآفق، ظلّ باريس البهي. طوال ساعة ونصف الساعة، لن يكون الفيلم سوى حوار طويل بينهما. حوار متقطع يبدأ بالتجربة الجنسية الأولى ويختزل - إذا اضطررنا إلى تلخيصه - تفاوت النظرة إلى العالم بين الرجل والمرأة.

 

يتبنّى فندرز جمالياً الكادرات الثابتة وبعض حركات الكاميرا المدروسة جداً والمنمّقة. نحن نتحدث هنا عن نمط اقتصادي في إنجاز فيلم. كأن فندرز بعد كلّ ما قدمه في حياته، أراد اختبار قدراته التعبيرية. ففكرة الإخراج الأساسية هنا هي في الآن عينه بسيطة جداً: حفيف أوراق الأشجار الذي يستمر طوال الفيلم تقريباً ويفرز إحساساً بالشاعرية، فتزداد وقع الكلمات موسيقى. بعد "وصول" لدوني فيلنوف، هذا فيلمٌ آخر عن اللغة، وفندرز يعود إليها ليفجّر جزءاً مما يكبته في داخله. اللغة هنا ليست تلك التي نتكلم بها، إنما التي تنتهي حين تبدأ المخيلة، وهذا ينسحب على الشخصيتين الحكواتيين والكاتب فالمخرج.

الديكور أقرب إلى الجنّة منه إلى بقعة جغرافية مطلّة على منطقة ديفانس الباريسية. "بطلانا" بقدر ما يتحدثان عن نفسيهما، فهما أيضاً يتحدثان عن كلّ واحد منا، عن هواجسنا ورغباتنا في البوح والكلام، وكلّ ما لا نجرؤ على الاعتراف به. الكاتب الذي يذهب إليه الفيلم بين حين وآخر، هل هو "كاتب" حوارات الشخصيتين، أم أنّ الشخصيتين هما اللتان "تكتبانه"؟ هنا السؤال الذي لا يحسمه الفيلم، أو لنقل يتركه ضائعاً بين سطور النصّ الذي يلد تحت أصابعه. كلّ ما في الفيلم يخلق من الانعكاس والتضاد بين الأشياء. الطبيعة الفردوسية الهادئة التي تلقي بميلانكوليتها الفظيعة علينا - تلك الطبيعة التي يجلس في أحضانها شخصان بلا اسم ولا سبب يستدعي الاهتمام بهما - (يبدأ الفيلم بلا مقدمة وينتهي بلا حبكة بالمفهوم الكلاسيكي للكلمة)، هي الأخرى مرآة ساخرة يصعب النظر فيها. الواضح أنّ الحوار بين رضا كاتب وصوفي سومان يتحول حواراً بين الإنسان والعناصر الطبيعية التي تحيط به، الخضرة والأوراق وزقزقة العصافير والرياح. هناك أيضاً كلّ تلك الاحالات إلى الجنة التي تصبح جلية مع التفاحة التي على الطاولة، ومع رغبة الرجل في استدراج المرأة إلى البوح بتفاصيل وصالها الأول. وكلما سار الفيلم إلى الأمام وتعمّق في الفلسفة الحياتية (شيء نادر أن يُعطى فيلم كلّ هذه المساحة الشفهية)، نشعر - وهذه مسألة نسبية جداً - بالأشجار وهي تحاصرنا أكثر فأكثر من كلّ اتجاه، لننتهي أمام ما يشبه الغضب الرباني، فيُختتم الفيلم بـ"الله كان في المنزل"، أغنية نيك كايف التي تتصاعد من جوكبوكس قديمة.

 

هوفيك حبشيان