يُقال "لا يوجد مُعاق إنَّما ثمّة مجتمع مُعيق"، في حزيران من العام 1983 أقرَّ المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية الاتفاقية رقم 1599 والتوصية رقم 168 داعياً إلى ضمان جهود ذوي الحاجات الخاصة على التدريب والعمل والمساواة مع الآخرين. ووجدت الدولة اللبنانية في 29 أيار من العام 2000 أنها معنية بهذا الشأن فأقرت القانون ٢٢٠/٢٠٠٠ الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الحاجات الخاصة، لكنه بقي كما معظم القوانين في لبنان حبراً على ورق. ولا زال المعوَّق أسير التهميش والعزل عن الحياة الاجتماعية وسوق العمل سوى قلَّة انتفضت على الواقع المرير مؤكدةً للمجتمع أنها جديرة بالحصول على فرصة لإثبات قدراتها الفكرية والمهنية.


تتعرقل حياتنا ونستسلم

يفتقد الأشخاص ذوو الحاجات الخاصة للعيش باستقلالية لا لأنهم غير راغبين بذلك، بل لأن الدولة لم تؤمن لهم الرعاية والتأهيل اللازمين ليتمكنوا من المشاركة والاندماج. حال عامر واحدةٌ من حالات كثيرة لأشخاص يمتلكون ثقةً بالنفس وحس الفكاهة إلاَّ أنَّ الإعاقة الجسدية منعته من العيش بشكل طبيعي في بلده فقط لافتقاده حاسة البصر. يخبر عامر "النهار" أنَّ "فقدان البصر كان صعباً جداً، سببه معاناتي من نقص في المياه السوداء وهي ضغط في العين تصيب مع التقدم في السن حيث تتجعَّد العين تزامناً مع تجعُّد الجسم، ويصبح هناك عراقيل في عمل الثقوب الصغيرة داخل العين التي يدخل الماء منها وإليه، ما يساعد في بروز لمعية في العين. كان يمكن علاج حالي منذ الصغر لكن الطب لم يكن متطوراً حينها. في البدء، يشعر المرء بحاجته إلى الدعم ولمرافق يساعده في تنقلاته أو بشؤون حياته اليومية. ولكن بمرور الوقت يستغني المكفوف عن ذلك لئلا يعرقل حياة الآخر، فيستسلم ويتخاذل عن عيش حياته بشكل طبيعي. هكذا كان وضعي إلى أن قررت الخضوع لتدريبات، وتعلَّمت، وطورت قدراتي في استخدام الكمبيوتر حيث لم تكن الشاشات بعد تقرأ ما هو موجود عليها. من ثمَّ أنشأت مكتباً يُعنى بالإلكترونيات حيث لم يكن الإنترنت متوافراً في المنازل بعد، وتضمن العمل في المكتب متابعة شؤون العاملات المنزليات وطباعة الأوراق وغيرها، عندها أحسست أنني موجود".

تستفزُ عامر نظرة الشفقة، وكلمة "حرام"، "يعتقد كثيرون أنَّ من يعاني إعاقة جسدية غير مؤهل عقلياً للاهتمام بنفسه، فمثلاً إذا رغب المكفوف في فتح حساب في المصرف وجب عليه أن يكون برفقة شخص آخر بمثابة ولي أمر يُعطى رقم الحساب ويحق له أن يدير المبالغ. لذا، نطالب الدولة والمصارف أن تجعل كل هذه الإجراءات إلكترونية مما يسهِّل علينا أكثر المعاملات الشخصية والمصرفية في ظل تطور التقنيات التي تساعدنا في القراءة عبر الحاسوب. فهذه الخطوة تُعطينا الحرية وتخفف من معاناتنا". إلى ذلك، يسعى عامر إلى إنشاء جمعية تحمل اسم "معاً نستطيع" (Together we can) تسلط الضوء على إعاقات عدَّة تواجه الشخص من فقدان البصر أو السمع أو القدرة على المشي، إذ بحسب عامر "من يفقدون أي حاسة من حواسهم في سنٍ متقدمة لا يجدون من يهتم بهم لأنَّ الجمعيات غالباً ما تعنى بصغار السن أو من يولودون فاقدين حاسة معينة ما يجعلهم في حال إحباط، لذا أرغب من خلال الجمعية بوضع برنامج يحوي إحصائيات، كما يضمُّ اختصاصيين نفسيين لدعم المرضى".

سنرفع الصوت عالمياً

من جهته، يشير عضو مكتب جمعية المكفوفين في الهيئة الوطنية لشؤون المعوقين ابرهيم عبدالله في حديث لـ"النهار" إلى أنَّ "وزارة الشؤون الاجتماعية لا تتحمَّل وحدها واقع المكفوفين إذ إنَّ مصلحة شؤون المعوقين في الوزارة تحاول بالإمكانات المتوافرة لديها تقديم المساعدات، نحن نرفض أن نكون رهن وزارة واحدة، بل هناك مسؤولية تقع على وزارة التربية في الشأن التربوي، وعلى وزارة الصحة في الشأن الصحي، وعلى وزارة الأشغال العامة والنقل. نحتاج إلى تكافل أدوار بين الوزارات، ويجب عدم رمي الحمل على وزارة الشؤون في ظل تقاعس الوزارات الأخرى". إلى ذلك، يطرح عبدالله مسألة تعامل المصارف مع المكفوفين، فيلفت إلى أنَّ "المشكلة مع المصارف مستجدة، نحن نتواصل منذ نحو العام مع جمعية المصارف والبنك المركزي وشكلنا مجموعة تضمُّ جمعيات عدة وحقوقيين وأخذنا عينات لمكفوفين بغية نقل التوجهات كافة ووضعنا آلية للتعامل مع المصارف. ولكن جمعية المصارف لا تستجيب لطلباتنا تحت حجة حمايتنا من الخداع، في حين أنَّ التقنيات الجديدة المتوافرة من خلال الرسائل النصية التي تصل إلى الهاتف الخليوي تخبرنا عن التحويلات والسحوبات، كما أنَّ الأوراق التي يطلب المصرف توقيعها لا يقرأها أصلاً الإنسان غير المكفوف ما يؤكد أنَّ الحجة واهية. لكننا نسأل عن أبسط الأمور، وأبرزها تدريب الموظفين في المصارف على كيفية التعاطي مع المكفوف. فغالباً ما نصادف موظفاً يتكلم مع من يرافقنا حول الشأن الذي يعنينا وكأننا فاقدون للقدرة على التواصل، أو أن يخاطبنا بصوتٍ مرتفع كأنما فقدان النظر مرتبط بالسمع. وبعدما وجدنا أنَّ الإجراءات جائرة بحقنا وأنَّ هناك تحقيراً وإساءة يطالان حقوقنا نسعى إلى تحويل القضية إلى البنك الدولي لنرفع صوتنا بشكل عالمي".

المطالب من الدولة اللبنانية

نسأل عبدالله عن غياب الندوات في المدارس والجامعات التي تحيط بحال المعوقين واندماجهم في المجتمع؟ يجيب: "عملنا كثيراً ولكننا بحاجة إلى خطوات أكثر وتمويل، إذ إن الممولين باتوا يركزون على مسائل أخرى. لكنَّ الإعلام ساهم في مساعدتنا في التوعية، ولكن ما زالت المسألة غير واضحة". وفي ظل كل ما ذُكر آنفاً ماذا تطلبون من الدولة اللبنانية؟ يفنِّد عبدالله مجموعة من المطالب تكمن في: "الحق في التعامل بعدالة واحترام في المصارف ضمن آلية تحمي المكفوف وتحافظ على حقوق المصرف.

- وفي قطاع التعليم يجب أن تفتح المدارس أبوابها للمكفوفين لا أن يقتصر تعليم المكفوف على مدارس محددة، وهذا يزيد من عملية اندماج المكفوف في المجتمع وتقبل الناس له. كما نطلب أن تتيح الجامعة اللبنانية للمكفوف إمكان الدراسة فيها وباختصاصات مختلفة لا أن تقتصر على العلوم الإنسانية، لأنَّ الكليات الخاصة أتاحت المجال للدراسة في مجالات عدة فلمَ لا تسير الجامعة اللبنانية على هذه الخطى.

- كذلك، 81% من المكفوفين في لبنان عاطلون عن العمل على الرغم من تحصيلهم العلمي إلاَّ أنَّ المجالات المهنية المتاحة تقتصر على العمل في سنترال مؤسسة أو شركة، ما يستدعي تجاوز ذلك لشتى الميادين الثقافية والاجتماعية".

 

الإعاقة الجسدية لا تؤثر على روح الشخص وكيانه، وكل إنسان عُرضة لأي حادث يفقده إحدى حواسه، ما يؤكد على ضرورة النظر في حقوق ذوي الحاجات الخاصة وعدم تهميشهم وحرمانهم من حقهم في التعليم والحصول على عملٍ لائق لئلا يصبحوا منعزلين عن المجتمع ضمن بيئات مغلقة اجتماعياً تتفاقم فيها الهموم. وهذا يستدعي إيجاد سياسة وطنية شاملة لدمجهم وتكيف المجتمع معهم وتقبل أنَّ الإعاقة الجسدية لا تُعيق كل طامح لمستقبل وحياةٍ أفضل.

المصدر: "النهار"