أدعوك أيها القارئ الكريم إلى النظر معي في قضية لا أظن أحداً يذكرها هذه الأيام، لا من أهل السياسة ولا من أهل الثقافة، موضوعها "القومية اللبنانية". أدعوك إليها وكلني رجاء أن لا تتسرع في الحكم عليّ، وتظنني "يمينيا" متطرفا، ومن أصحاب العصبيات العرقية. لا أدعو إلى لبنان الفينيقي، ولا أعتدّ بالفينقة، ولا بالعروبة الواهية المقنّعة بأثواب الدين. أدعو إلى قومية إنسانية، أساسها إرادة اللبنانيين الحرة، وما بينهم من قيم وتقاليد وآمال، كافية في ذاتها لتدفعهم إلى بناء وطن حقيقي، مستقل عن كل إرادة عربية وأجنبية. في اعتقادي أنه إذا لم يسر لبنان في هذا الإتجاه، ويبرأ من نظامه الحالي، فستكون العاقبة عليه وخيمة، وقد ينتهي كما انتهى لبنان القديم!

سجِّل تاريخ هذا المقال أيها القارئ الكريم وتذكّر أن لبنان سيشهد مزيداً من العذاب، إذا لم يتغير، ويأخذ بالقومية الإنسانية، لا بخطاب لبنان الفينيقي، ولا لبنان القومية السورية، ولا لبنان القومية العربية، ولا لبنان الميثاق الوطني، ولا لبنان الطائف، ولا لبنان المسيحي- الاسلامي، ولا بشيء من هذا القبيل، لأنها تصنيفات تزيد نكبات الوطن وأزماته.
لا أبخس القومية السورية، ولا القومية العربية العلمانية حقهما. هذه مسائل تطرح للنقاش بعد أن يصبح لبنان سيد نفسه، وتتحرر إرادة شعبه من حكام جلبوا عليه الخراب، ولا يزالون. حكام تبلغ بهم القحة حداً مرعباً، يخدعون شعبهم كل سنة بمهزلة اسمها "عيد الاستقلال"، وهم يعرفون أكثر من غيرهم، أن لبنان لم ينعم، منذ رحيل الفرنسيين عن أراضيه، بيوم واحد من ا لاستقلال، لأن المستعمرين الحقيقيين، كانوا ولا يزالون زعماء البلد "الوطنيين". هؤلاء تسلموا الإدارات المحلية، كتبوا ميثاق تقاسم السلطة والمصالح، وسمّوه "الميثاق الوطني"، وقّعوا "اتفاق القاهرة"، وسمحوا للبندقية الفلسطينية بأن تتحكم بالجنوب، ولم تحرر ويا للأسف، شبراً واحداً من أرض فلسطين التاريخية، بل وجهت فوّهتها إلى الداخل، في حرب قضت على عشرات الآلاف من المواطنين، وقوّضت أعمدة بلد كان من أجمل بلاد الشرق، ولا يزال حكامه إلى اليوم، يجيّرونه للعرب والفرس والترك والأجانب.
على أيدي هؤلاء الزعماء الجدد، الذين منهم من كان قاتلا، تتكرر المسرحية، فيما الشعب طوائف، كل طائفة منه ساكتة ساكنة راضية بما عندها، تعيد انتخابها زعيمها من جديد، ظانة أنه يحميها. لا يحميها من إسرائيل ولا من الشرق والغرب، بل من عدوّها الداخلي يحميها! ألم يدرك المواطن العاقل بعد، أن الطائفية مفردة عنصرية يريدها أهل النظام أن تبقى حية، ليبقى هذا الزعيم "الماروني"، وهذا الزعيم "الشيعي"، وهذا الآخر "السني" وذاك الزعيم "الدرزي". تصنيفات تخجل خالعة العذار أن تتفوه بها، وها هي تتردد في وسائل الإعلام، والشعب غافل عن كرامته، وحقه في عيش كريم، سامحاً لهؤلاء الزعماء بأن يحكموه، فيما البلد مهمل، مياهه الجوفية ملوثة، هواء مدنه ملوث، ثقافة الحجارة تزحف على بلداته وصروده وجباله، هذه التي طالما كانت مصدر إلهام للشعراء والفنانين. بلدٌ الغذاء فيه فاسد، وعمليات النهب والسرقة تتم في الليل والنهار، والسلاح شائع في البيوت وبين الأحزاب، والفقر عام والبطالة منتشرة، والديون تراكمت وأوصلت البلد إلى المرتبة الثالثة في العالم قياساً إلى الدخل العام. بلدٌ خلف حدوده الشمالية الشرقية تدور حرب ضروس بين الأشقاء، وخلف حدوده الجنوبية دولة تتوعده بالدمار إذا تجرأ وطالب بحقه، تهدده إذا لم يذعن أو يطع، وشبان البلد وصباياه يهاجرون بحثاً عن العمل ولقمة العيش. كيف يمكن أن يصمد بلد صغير تتوعده هذه الأخطار، وحكامه غافلون عن كل شيء إلا مصالحهم، ومصالح الدائرين في أفلاكهم؟ يظن هؤلاء أنهم شطّار. لا يدرون أنهم سيغرقون ساعة تغرق السفينة، وأن الموج سيأخذهم ويأخذ أولادهم وأحفادهم. يحصدون المال، ولا يدفعون الضرائب، ولا يدرون أنهم سيدفعونها من دمهم، في يوم قريب أو بعيد!

ماذا تعني القومية اللبنانية التي نرمي إليها؟ إنها تعني "إرادة الحياة"، تعني "الاستقلال التام"، وأستعير هذا التعبير الأخير العميق في معناه من أدبيات المفكر المصري الراحل أحمد لطفي السيد. لقد واجه لبنان منذ الاستقلال الموهوم إلى اليوم كثيراً من المحن والخطوب، وإذا بقي واقفاً على قدم واحدة حتى الآن، فلأن إرادة الحياة عند بنيه، كانت ولا تزال أقوى من أي إرادة أخرى، لكن ما يخشاه أهل الخير، هو أن يفقد لبنان هذه القدم الواحدة ويسقط على الأرض، وهو مهيأ لهذا السقوط المريع إذا بقي نظامه كما هو، وبقي مسيرّاَ بإرادات عربية وأجنبية، وحكام لا همّ لهم إلا تقاسم المغانم والحصص، مقسّمين البلاد تيارات قاتلة مثل 8 و14 آذار، غافلين عما يجري على الأرض وعلى الحدود.
لا أعتقد أن هناك بلداً صغيراً في العالم كله يواجه هذا الكم الهائل من الأخطار. على أرضه الصغيرة أكثر من مليون ونصف مليون "لاجئ" سوري، نصفهم في الخيم، 400 ألف فلسطيني، معظمهم في المخيمات، حكام من أسوأ الحكام، أحزاب يتفوق سلاحها على سلاح الدولة، وعلى حدوده الجنوبية دولة من اسوأ الدول التي عرفها التاريخ القديم والحديث، وربما أسوأها على الإطلاق، فكيف يمكن هذا البلد الصغير أن يستعيد قدمه الثانية، ويقف صلباً أمام الريح العاتية؟ على ضوء ذلك كله، تتضاعف الحاجة إلى "القومية اللبنانية" بروحها المدنية الإنسانية. إذا قرأنا تاريخ الدول الراقية وجدناها اعتمدت مبادئ هذا الشكل من القومية، أما التي ابتعدت عن هذه المبادئ فزالت أو زال نظامها، وكل الدول، العربية منها بنوع خاص، التي لا تلتزم هذه المبادئ ستزول أنظمتها لا محالة! قد تتمكن، بالإرهاب ورشوة الشعب، من إطالة عمرها، لكن مصيرها هو السقوط.
كتبت غير مرة وأذعت، أن تيّاري 8 و 14 آذار خطر على لبنان لأنهما يقسّمان الشعب شيعاً ومذاهب، وكل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب. هكذا تعلمنا دروس التاريخ. هنا أريد أن أكون صريحاً، وأعرف أن هذه الصراحة قد تغضب بعض الناس، وربما تغضب كثيرين، لكني لن أتخلى عنها. سأذيعها و"أمري إلى الله" كما يقول المؤمنون، لا أرمي من ورائها إلا الخير للبنان كما أراه، وكما يحب كل مواطن حر أن يراه؛ رسالة إنسانية لنفسه ولمحيطه، وطناً نهائياً لجميع أبنائه. لا صوت في وجداني يدفعني إلى ما سأقول، إلا صوت العدالة الإنسانية.


اللبنانيون اليوم منقسمون تيّارين هما 8 و14 آذار، والعلامات الظاهرة المفرّقة أكثر من غيرها، هي أولاً المحكمة الدولية، والثانية سلاح "حزب الله". سأدلي برأيي كمواطن حر، من منطلق إيماني بأن لكل امرئ الحق في أن يدلي برأيه، من دون رقابة أو عواقب. حول الراحل رفيق الحريري أقول إنني ضد قتله، شأني شأن كل إنسان يؤمن بأنه لا يحق لأي إنسان أن يقتل إنساناَ تحت أي شعار أو ذريعة، وسواء تم ذلك باسم "الله" أو بغير اسم "الله"، لكنني أقول في الوقت نفسه، إنني ضد المحكمة الدولية لسببين، أولهما أنها قسّمت اللبنانيين وأوجدت بينهم شروخا إجتماعية ودينية، أي أنها أصبحت من عوامل التفتيت أكثر مما هي شأن من شؤون العدالة، وهذا كله يعوق مسيرة تحول لبنان إلى دولة مدنية. الوطن أهم من أي مواطن، سواء أكان حاضراً أم غائباً، حياً أم ميتاً، وقد كان رفيق الحريري نفسه يقول: "لا أحد اكبر من بلده". السبب الثاني أن روح الحريري الراحل، ليست أثمن من روح أي مواطن بريء قتل في لبنان. أقول هذا الكلام، استناداً إلى "شرائع السماء"، وصوت الحق وقوانين العدالة الإنسانية، التي تقتضي التساوي بين البشر، بغض النظر عن لون المرء وجنسه وعقيدته ومكانته الاجتماعية.
هناك مشكلة تفرّق اللبنانيين هي المحكمة الدولية، ينتظر نصفهم نتائجها ليشفوا غليلهم من النصف الآخر، وليعزز بعض الحكام مواقعهم، ويقولوا لناخبيهم انتصرنا،ويزيدوا عدد مقاعدهم في مجلس النواب! ليؤلمني حقاً،أن أرى كلما زرت بيروت، صوراً كبيرة لرفيق الحريريعليها جملة "صوت العدالة" تطالب بالمحكمة الدولية، وهناك آلاف من اللبنانيين الأبرياء ماتوا غدراً أو بالقتل المتعمد سواء من جانب السلطة أو من جانب أفراد مجرمين، لا صوت لهم، ولا أحد يسأل عنهم.
"معاذ الله"، أن أغض من شأن رفيق الحريري، "رحمات الله عليه وبركاته" كما يقول المؤمنون، لكن روحه، كما أرواح أبي وأمي وأجدادي، ليست في ميزان الحق والعدالة "أثمن" من روح أي مواطن بريء في لبنان. لا أحد في وجدانه ذرة خير، يتمنى أن يفلت قتلة رفيق الحريري من العدالة. في الوقت نفسه، لا أحد في وجدانه ذرة خير، يتمنى أن يفلت من العدالة قاتل آخر، بغض النظر عن موقع "القتيل" في حياتنا الإجتماعية، سواء أكان حاكماً أم محكوماً، مشهوراً أم مغموراً، غنياً أم فقيراً. لا أحد أكبر من أحد أمام القانون، لا روح تعلو على روح ساعة تدنو المنيّة، وكل نفس بما كسبت رهينة، كما جاء في القرآن.
ساعة مات جبران تويني، وقف غسان تويني الكبير، بقلب كبير مكسور، قبالة الجثمان الراقد في بهو الكنيسة وقال: "لندفن الحقد والثأر". يا لها من كلمات عظيمة يقولها رجل في مصرع ابنه. في فصل الطعام من كتاب "النبي" لجبران، يخاطب المصطفى سامعيه قائلاً: "إذا اضطررتم أن تذبحوا لتأكلوا، فقولوا للبهيمة في قلوبكم: بالسيف الذي به أذبحك، أذبح نفسي، وما دمك ودمي إلا عصارة أعدت منذ الأزل غذاء لشجرة السماء". فليكن دم رفيق الحريري، ودماء كل شهيد وبريء سقط على أرض لبنان، عصارة أعدت منذ الأزل غذاء لشجرة لبنان.

سلاح "حزب الله"
حول سلاح هذا الحزب، أريد أن أكون صريحاً أيضاً. لست مع سلاح هذا الحزب إذا كان أثره في النسيج الاجتماعي مثل أثر المحكمة الدولية، ويزيد الكراهية بين اللبنانيين، ويقسّمهم جماعات، الموالي منهم والمعارض، علماً بأن المعارضين ليسوا عملاء أو خونة كما يصورهم الآخرون، ومنهم من هو طويل الباع في الدفاع عن لبنان، ومنهم من هو قومي عربي في الصميم! لا يهمني موقف بعض العرب والأميركيين من سلاح هذا الحزب، أهدافهم معروفة وهي لمصلحة إسرائيل في النهاية. يهمني لبنان وشعبه، وما يمكن أن يحدثه السلاح من أثر التفرقة، وهو في رأيي، أخطر بما لا يقاس من خطر إسرائيل على لبنان، وأعتقد أن القيّمين على الحزب يدركون هذه الحقيقة، أو صاروا يدركونها! لا أقلل شأن المنضوين في "حزب الله"، هم "طاهرون شرفاء" كما يسميهم السيد، أستثني طبعاً أفراداً قد يكونون ارتكبوا أخطاء، أو انضووا في الحزب لغايات معينة، لكن جزءاً يسيراً من الصورة غير مستقيم، لا يفسد الصورة، ولا يؤثر في جماليتها، أو يفقدها الجدارة بأن تعلق على جدران أعظم المتاحف، وأعتقد أن الروح المعنوية التي بثها الحزب في نفوس اللبنانيين والعرب خلال وقفاته التاريخية، لا ينكرها إلا مكابر، أو ناكر تغلبه عصبية دينية.
على رغم تحفظي الشديد عن سلاح "حزب الله"، لا أرى أن يسلم الحزب سلاحه لدولة لبنان الحالية. في المقابل، أتمنى على الحزب أن يسلم سلاحه لدولة جديدة مدنية إنسانية، يكون هو البادئ في بنائها، أو المشارك في بنائها، وكل تأخر في عملية بناء هذه الدولة، من جانب "حزب الله" وغيره، جريمة في حق لبنان وبنيه. على الحزب أن يتعهد علناً تقديم سلاحه إلى الدولة الجديدة، وهذا التقديم إن حصل، سيكون عملاً تاريخياً، وأعظم هدية يقدمها حزب لبناني للبنان، ورسالة من الحزب واضحة لا لبس فيها، بأنه يضع مصلحة لبنان فوق كل مصلحة إقليمية، بما في ذلك مصالح حلفائه، وأنه ليس "حزب الشيطان" كما يعيّره أعداؤه، ويصفه التكفيريون، بل هو "حزب الله" فعلاً.


ستكون دولة لبنان المدنية أقوى دولة في العالم العربي، لأن دعامتها الأساسية هي "القومية" التي تجمع اللبنانيين، وتجعهلم شعباً موحداً قادراً على الصمود في وجه إسرائيل وغيرها، علماً بأن هذه الدولة الجديدة إن قامت، ستفتح الصراع مع إسرائيل إلى حدوده القصوى، فلا يبقى محصوراً بين إسرائيل وبارودة "حزب الله"، بل بين إسرائيل ولبنان الكبير، المعبأ بكل طاقاته على جميع الجبهات. لا أعني الجبهات بالمعنى العسكري، بل بالمعنى السلمي الواسع، وأنا من أشد المؤمنين بأن لبنان المدني سيكون أخطر على إسرائيل، ألف مرة مما هو عليه الآن، وسوف يسترد حقوقه وحقوق غيره من طريق أبنائه الناشطين المنتشرين في العالم، الذين بإمكانهم أن يثبتوا أنهم أقوى من الصهاينة، إذا كانوا أبناء دولة واحدة موحدة، لا كما هم الآن؛ مجموعات معطّلة، يحركها زعماء الطوائف، كما يحرك الطفل سيارته الصغيرة بجهاز التحكم من بعد!
لن تكون الدولة اللبنانية المدنية لمصلحة بنيها وحدهم، ستخدم العرب أيضاً، وقضية فلسطين، واللاجئين الفلسطينيين. وتساعدهم على العودة إلى أرض آبائهم وأجدادهم، ليقيموا عليها دولتهم المنشودة. ستكون دولة عدل وإيمان، يديرها أهل المعرفة، أصحاب العقول المنفتحة على العلم والعالم. إذا أنعمنا النظر في مسيرة الصهاينة، منذ مؤتمرهم الأول في مدينة بال السويسرية عام 1897، بزعامة ثيودور هرتزل، وقرأنا كتابه عن "الدول اليهودية" وعينا القصة كلها، وكيف تمكن صهاينة المهجر، بالعمل الدؤوب، والخبث والذكاء، من صنع دولة قوية. علينا أن نتذكر أن في إمكان لبنانيي الداخل ولبنانيي المهاجر، أن يصنعوا دولة تكون هي الأخرى من أقوى الدول، لكن هذا لا يمكن أن يتم، إلا إذا وحّدتهم راية واحدة أساسها قوميتهم الاجتماعية الإنسانية. الصهاينة ليسوا أكثر ذكاء من اللبنانيين، قوتهم كامنة في وحدتهم، على رغم تباين أصولهم الغريبة، أما قوة اللبنانيين فمعطّلة، وهي لا تشتد وتعنف ويا للأسف، إلا ساعة تكون فعلاً طائفياً، تصب نهايته في مصلحة هذا الزعيم أو ذاك، لا في مصلحة الوطن!
وسط الأخطار التي تحيق بسوريا القريبة، والدول العربية البعيدة، ووسط حوادث العالم المتسارعة، يسير لبنان نحو مزيد من التفتت السياسي والخلقي والاجتماعي، وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن، أن يستسلم بنوه لشعور الخيبة، ويفقدوا الأمل. إن مدينة مثل روما لم تبن في يوم واحد، ومسيرة تغيير لبنان يجب أن تبدأ بخطوة، على اللبنانيين أن يخطوها مهما كلف الأمر، وقبل فوات الأوان.

النهار