قد يكون أبرز ما حملتْه زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري لبيروت التي بدأ فيها، أمس، جولةَ لقاءاتٍ واسعة مع المسؤولين الرسميين والقادة السياسيين أنها عكست رغبة القاهرة في إطلالةٍ ديبلوماسية إقليمية من البوّابة اللبنانيّة تحديداً.

وفي هذا السياق، رسمتْ مصادر ديبلوماسية معنيّة بزيارة شكري صورةً موضوعيةً عن آفاق هذه الزيارة ودلالاتها، فقالت إن شكري جاء برسالةٍ محدَّدة مفادها ان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يدرك ان الواقع اللبناني هو واقع مهمّ للغاية وان ترْكه من جانب العرب بهذه الطريقة هو خطأ استراتيجي، وان مصر إدراكاً منها للأهمية التي يكتسبها لبنان وخطورة استمرار الأزمة السياسية والرئاسية فيه، مستعدّة لبذْل الجهود الحميدة والمساعَدة بكل الطرق التي يرتأيها اللبنانيون لانتخاب رئيسٍ للجمهورية بأسرع وقت.

وتشير المصادر الى ان المصريين حاذروا قبل وصول الوزير شكري الى بيروت استخدام مصطلح المبادرة، لأنهم يسعون الى جسّ نبض الأفرقاء اللبنانيين حيال الدور الذي يمكن القاهرة الاضطلاع به وتجنباً لتضخيم التحرك فيما هم يدركون تماماً الصعوبات والتعقيدات الضخمة التي تعترض أيّ مبادرةٍ لاختراق الأزمة اللبنانية.

ولكن ذلك لا يقلّل أهمية الزيارة في هذا التوقيت بالذات، اذ تُعتبر أوّل تحرّك عربي من نوعه في اتجاه لبنان الذي لم يشهد منذ بدء أزمته الرئاسية في مايو 2014 أيّ تحرّكٍ عربي بارزٍ، بل ان المرحلة الأخيرة اتّسمت ايضاً بتراجُعٍ سعودي وخليجي واسع عن الملف اللبناني، وسط خشيةٍ من انعكاسات هذا التراجع على ميزان القوى اللبناني بحيث يفيد منه المحور الايراني - السوري الممثَّل بـ «حزب الله».

وقالت المصادر نفسها ان التحرّك المصري لا يبدو مختلفاً في جوهره عن طبيعة الحِراك الفرنسي المستمرّ حيال لبنان لا بل ربما يشكّل المسعى المصري الوجه العربي المكمل للمحاولات الفرنسية، الأمر الذي تسعى عبره القاهرة كما باريس الى تأكيد عدم ترْك لبنان وحده وسط التخلي العربي والدولي عنه.

كما ان المصادر تلفت الى ان توقيت التحرّك يضمر خشيةً مصرية من تداعيات إطالة عمر الفراغ الرئاسي على مجمل الواقع اللبناني المثقل أيضاً بأزمة نازحين سوريين باتوا يشكلون نحو نصف عدد سكانه المقيمين والذي يعيش هاجس المخاطر الأمنية التي ترتفع كلّما اشتدّ «عصْف» المواجهة بين قوى التأثير في المنطقة، وهو أمرٌ يعني مصر استدراكه لإدراكها أهمية حماية الاستقرار اللبناني وعدم التسبّب بقيام بؤرة مشتعلة جديدة في المنطقة.

وعكستْ تصريحات شكري بعد لقائه امس كلاً من رئيسيْ البرلمان نبيه بري والحكومة تمام سلام ونظيره اللبناني جبران باسيل انه يحمل أفكاراً يسعى الى بلْورتها مع مختلف الأفرقاء المحلّيين من دون ان يرْقى الأمر الى مبادرةٍ محدَّدة. وهو قال بعد محادثاته مع بري انه عبّر «عن تطلُّع مصر الى أن تلعب دوراً إيجابياً في معاونة الأطراف كافة للتوصل الى تسوية للاستحقاق الرئاسي في لبنان، والخروج من هذه الأزمة. مصر لها تراث وتَواصُل تاريخي مع لبنان، ولها اهتمام بتعزيز الاستقرار والأمن للشعب اللبناني وضرورة العمل للتوصل الى تسوية من خلال التواصل والتفاهم بين كل العناصر والأطياف السياسية. وأي دور تقوم به هو بالتعاون والمشاركة مع كل العناصر السياسية الفاعلة، ونعمل بذلك لتحقيق الاستقرار ليس فقط للبنان، ولكن ليعمّ الاستقرار المنطقة بشكل متكامل ولتعزيز الوحدة والتضامن العربي والخروج من الازمات الطاحنة التي تواجه الدول العربية في هذه المرحلة».

وعن العناصر التي تعتمد عليها مصر في تحركها أجاب: «الشأن اللبناني يحظى باهتمام من كل الدول، وما تقوم به هو تأكيد للحرص الذي توليه مصر على الاشقاء في لبنان وتواصلها التاريخي مع كل المكونات اللبنانية، ونسعى الى توفير قاعدة مناسبة تيسر التفاعل والتفاهم بين كل هذه العناصر».
الراي