انتقلوا جميعهم للعيش في بيروت، ما عداه. جذبتهم المدينة بصخبها. أما هو، فلا. لم يستطع الابتعاد عن مسقط الرأس ومرتع الطفولة الذي حاصر كيانه حتى أرداه ميتاً أمام أعين أحبّته. هو الذي سرقته الحياة البسيطة من عالم الكماليات، فعاش وهو يحلم بإنماء قريته "قتولي" في قضاء بعبدا وخدمة أبنائها. تلك القرية القليلة السكان، البعيدة عن الضجيج والعيون التي تنظر الى بعضها البعض نظرة الغربة. أسّس نديم مزرعة دجاجٍ ووسّع نطاق تجارته وصار يوزّع البيض البلدي على القرى والمتاجر المجاورة. وكان يعمل على تصميم مشروعٍ سياحيّ خدمةً لانماء البلدة في العام المقبل، لكن الموت خطفه صبيحة يوم الاثنين الماضي، بعد تطوّعه لاصلاح مصابيح الانارة في شوارع القرية. وهو ما لبث أن صعد الى عمود الكهرباء لمعرفة سبب العطل الطارئ في احد المصابيح، حتى خانته ذبذبات الكهرباء وتملّكت أجزاء جسده قبل ان تقذفه نزولاً باتجاه الطريق.

بكثيرٍ من الأسى يعبّر والد الفقيد السيد صابر زيادة في حديثٍ لـ"النهار" عن مدى حزنه نتيجة خسارته فلذة كبده نديم في ريعان الشباب، هو الذي كان يتحضّر للاحتفال بعيد مولده الثالث والثلاثين، في الخريف المقبل. يقول: "كان من المفترض فصل التيار الكهربائي قبل صعود نديم الى العمود. لم نكن نتواجد في القرية لكننا علمنا من الشهود العيان أن الكهرباء كانت قد انقطعت عند الساعة السادسة مساءً. ولكنها باغتت ولدي الذي كان يعتقد انها لن تعود قبل منتصف الليل. إذ ما لبثت فجأةً أن عادت لدقائق معدودة لترديه أرضاً". ويتابع الوالد المفجوع أنه فور الحادثة نُقل نديم الى أقرب مستشفى في حالة طوارئ، الا وهي مستشفى الجبل الواقعة بمحاذاة منطقة حمانا، وبعد اجراء الاسعافات الأوليّة الضرورية له، تم نقله الى مستشفى عين وزين في الشوف بعدما قالوا انه بحاجة الى عملية جراحية طارئة في الكبد. بادئ ذي بدئ قيل لنا ان اصابة نديم خارجية، لكن ذلك لم يكن صحيحاً بل تمهيداً للخبر الصادم. ويؤكّد أن المستشفيات قامت بعملها على أكمل وجه، وان الطبيب الشرعي ما لبث ان بشّر العائلة ان المصاب ميت دماغيّاً وهو يعاني من نزيف حاد في الدماغ لكن قلبه يعمل. "اذا كان هناك امل في خلاصه 1% فلنفعل المستحيل"، قال الوالد المفجوع. لكن الطبيب الشرعي اكّد ان لا أمل في النجاة. 24 ساعة عاشتها عائلة المرحوم بترقب من بعد ظهر يوم الأحد وحتى بعد ظهر يوم الاثنين نتج عنه خبرٌ حزين. قلب نديم توقّف بعد يومٍ واحد على الواقعة المشؤومة، وانطوت معها مسيرة حياة في ريعانها.

"قالوا لنا في البداية انه تعثّر عن عمود الكهرباء وهو الآن بصحةٍ جيدة لكنه يعاني من كسرٍ في يده ورجله، تحوّل بعد حين الى نزيفٍ من الأمعاء. كانت تلك تمهيداتٌ لنا حتى نصل من بيروت الى القرية. جلست بقربه في المستشفى وعلمت أنه "رايح" ودهنت له زيت مقدّس وتأملت له بعجيبة من الله. سمحوا لي في المستشفى بالبقاء قربه طوال الوقت، وهذا ما أثبت لي أكثر ان ابني شبه ميت". بهذه العبارة تختصر ماريا زيادة، والدة الفقيد نديم، وقع الخبر الصادم عليها. تنتشل ماريا نفسها من جحيم حزنها وتعود لتخبر "النهار" عن سيرة ابنها الحياتية المليئة بالأمل والايمان والمثابرة: "كان شاباً لا يعرف معنى البكاء من يوم ولادته وحتى يوم وفاته. الحياة بالنسبة اليه هي الفرح ومساعدة الآخرين، رغم أنه كان يحمل الهمّ في قلبه". وتضيف أن "مسيرته الحياتية كانت مرتبطة بقريته. وهو بعدما انهى مشروعه الزراعي واسس مزرعة الدجاج، كان يحضّر لمشروعه السياحي خدمةً لابناء قريته ولانعاشها اقتصادياً وسياحياً". وتختم حديثها واللوعة في عينيها: "صار في مكان افضل من لبنان. من تلطشه الكهرباء افضل له ان يرحل الى ربّه بدلاً من أن يعيش في لبنان".

من جهته يروي مختار البلدة السيد طوني بو حيدر في حديثٍ لـ"النهار" ملابسات الحادثة، هو الذي كان متواجداً الى جانب الراحل عند وقوعها: "اندفاعه في اصلاح المصابيح كلّفه حياته. قريتنا لا تتمتع ببلدية خاصة بل نحن نتبع للمحافظ. نتقدم له بالمكاتيب التي تحدّد مطاليبنا لكنها تتأخر في الرد وايجاد الحلول. وفي الفترة الأخيرة لا توجد مخصصات سريعة للقرى، فيأخذ الشباب على عاتقهم مبادرات فرديّة لاصلاح الاعطال، رغم أنها مسؤولية الدولة وحدها. نحن نعمل لتأمين الحد الادنى من الراحة للناس في الضيعة وذلك كلّفنا خسارة حياة شخصٍ عزيز علينا. وهذا ما علّمنا درساً ان لا نبادر مرّة أخرى الى اتخاذ مبادرات فرديّة لتحسين ظروف عيشنا. أكلنا الضرب ولن نأكله مرّة ثانية".

رحل نديم زيادة تاركاً خلفه سيرة حياتية مليئةً بالسلام. رفض أن يخرج من قريته الأحب على قلبه. اختار حياة البساطة البعيدة عن ضجيج المدن وضوضائها. دجاجاته لن تجد من يطعمها او يجمع بيضها بعد اليوم. الصباح بات حزيناً في قتولي. وديكها بات يصيح في كلّ صباحٍ منشداً لحن الحزن.

النهار