تظهر نتائج الفحوص التي أجراها "المركز الوطني لعلوم البحار" التابع لـ"المجلس الوطني للبحوث العلمية" بين العامين 2015 و 2016 (حتى شهر أيار) وجود نوعين من التلوث على طول الشاطئ اللبناني: التلوث الكيميائي الذي يظهر في مرافئ المدن الكبرى كافة (صور، صيدا، بيروت وطرابلس)، وقرب المصانع الكيميائية (الزوق وسلعاتا)، والتلوّث العضوي البكتريولوجي الذي يسجل معدلات مرتفعة وهو ناجم عن الصرف الصحي.

 

ينجم التلوّث الكيميائي، وفق أمين عام المجلس الدكتور معين حمزه، عن نشاط المعامل الصناعية ومكبّات النفايات وخزانات الفيول على طول الشاطئ اللبناني. إذ لا تمتلك المصانع والمعامل آلية لتدوير النفايات في لبنان. ويرتبط التلوّث الكيميائي بوجود المعادن الثقيلة مثل (الزئبق والرصاص والكادميوم) والمواد الهيدروكاربوناتية. تتراكم تلك المواد السامة في التربة لتنتقل وتتركّز في الأحياء البحرية النباتية والحيوانية باعتبار أنها لا تتفكك ولا يتم هضمها. يعتبر حمزه أن انتشار التلوث الكيميائي محدود في لبنان غير أنه أخطر من التلوّث العضوي لأنه يدوم لفترة طويلة.

من جهة أخرى، ينجم التلوث العضوي عن المياه الآسنة والصرف الصحي. تصبُّ نسبة ثمانين في المئة من المياه المبتذلة والصرف الصحي في البحر، إذ إن عدد محطات تكرير المياه الآسنة ضئيل أو أنها ليست قيد التشغيل منذ سنوات طويلة.

وتبيّن الدراسات العلمية وجود بعض أنواع البكتيريا، ومنها "البكتيريا القولونية"، و"العقدية البرازية" التي تسبّب حساسية وطفرات جلدية، واحمراراً للعيون والتهاباً لها، وتقيؤاً في حالة بلع المياه الملوثة.

يشرح منسق المشاريع العلمية في مركز علوم البحار الدكتور غابي خلف أن مياه البحر تفكك المواد العضوية الملوثة الموجودة في البحار بواسطة عنصر الأوكسيجين وأشعة الشمس. لذا عندما يتم إغلاق مصدر المياه الآسنة، تفكك مياه البحر المواد العضوية وتحوّلها الى مغذيات في البحر ويتمّ القضاء على البكتيريا والتلوث العضوي.

تبيّن نتائج الخريطة بالنسبة إلى التلوث العضوي البكتريولوجي:

نوعية المياه جيدة: طرابلس (مقابل الجامعة العربية ـ جامع الشكر). أنفة (مقابل دير الناطور بعد منتجع las Salinas). الهري/ شكا (مسبح صالح). كبا/ البترون (جنوب شركة كيماويات سلعاتا). البترون (مقابل مركز علوم البحار). جبيل (مسبح البحصة، المسبح الشعبي الرملي). الفيدار (تحت جسر الفيدار). المعاملتين (خليج جونية ـ مقابل جسر الكازينو). الدامور (بالقرب من مصب نهر الدامور). صيدا (المسبح الشعبي). صور (المحمية البحرية). الناقورة (شاطئ صخري شمال المرفأ العسكري، مسبح صخري).

نوعية المياه مقبولة: عكار (مقابل مطار القليعات). المنية (مسبح الأحلام). نهر إبراهيم (شاطئ رملي قرب مصب نهر إبراهيم). طبرجا (شاطئ صخري جنوب مرفأ الصيد). بيروت (بالقرب من الريفيرا ـ عين المريسة). صيدا (شاطئ رملي شمال الملعب البلدي). الصرفند (المسبح الشعبي).

نوعية المياه ملوّثة: طرابلس (الميناء مقابل جزيرة عبد الوهاب ـ المسبح الشعبي سابقاً ـ رملي). انطلياس (بالقرب من مصب نهر انطلياس). بيروت (بالقرب من المنارة، الرملة البيضاء).

ويشير الدكتور غابي خلف إلى أنه لا يمكن السباحة في تلك النقاط إذ يتجاوز معدل التلوّث العضوي في بعض النقاط مثل انطلياس 40 إلى 50 ألف مستعمرة بكتيريا في المئة ميليلتر، والرملة البيضاء 25 ألفاً بينما يجب ألا تتجاوز المعايير المعتمدة لمياه السباحة 100 وحدة بكتيريا في 100 مليليتر من مياه البحر. في المقابل، يمكن السباحة في النقاط التي تظهر نوعية مياه مقبولة أو جيدة.

التلوث الكيميائي:

نقاط التلوث الكيميائي: صور، صيدا، بيروت، انطلياس، سلعاتا وطرابلس. ومن الأفضل تجنب السباحة في تلك الأماكن.

أثر النفايات السلبي:

قام المركز الوطني لعلوم البحار، وفق خلف، بدراسة أثر مكبات النفايات المتواجدة على الشاطئ والتي تمت إعادة فتح بعضها في الفترة الأخيرة وأظهرت النتائج تسجيل:

تلوث فيزيائي نظري ناجم عن تفكك جزء من النفايات الصلبة بسبب الأمواج البحرية والعواصف ما يؤدي الى انتشار النفايات على طول الشاطئ اللبناني وتراكمها في قاع البحر وأثرها السلبي على الأحياء البحرية القاعية، والموائل الطبيعية، وأماكن وضع بيض الأسماك.

تلوّث كيميائي: يؤدي تفكك النفايات العضوية وتحلل المعادن والمواد البلاستيكية لسنوات عدة الى انتشار الروائح الكريهة (غازات متان، هيدروجين الكبريتي، ثاني أوكسيد الكربون) والدخان من جراء التخمير والى تكون سوائل من عصارة التفكك والتحلل التي تتسرّب الى أعماق مكبّ النفايات وتلوّث مياه البحر والرسوبيات بالمواد الكيميائية والعضوية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، بيّنت نتائج دراسة الملوّثات الكيميائية في الرسوبيات القعرية في أسفل مكبّ برج حمود تركيز بعض المعادن مثل الرصاص والكادميوم بمعدلات أكبر بعشر مرات من المسموح بها. وتسجل مادة الرصاص معدلاً أكثر من 400 ميكروغرام في الغرام الواحد بينما يجب أن يكون المعدل 6.25 ميكروغرام في الغرام الواحد.

وتشكل المعادن مصدر خطر على صحة الإنسان وتؤدي الى زيادة الإصابة بالسرطان في حال تراكم كميات كبيرة من مادة الرصاص في الأحياء البحرية (الإسفنج، الصدفيات، التوتياء) وفي حال تناول الإنسان كميات كبيرة من تلك الأحياء البحرية الملوثة.

مراقبة المياه.. وفحصها

يبلغ طول الشاطئ اللبناني من منطقة العريضة الى منطقة الناقورة نحو 220 كيلومتراً. يعيش ثلث سكان لبنان على الخط الساحلي ويتوزعون في المدن الكبرى ويحتضن الشاطئ اللبناني نسبة سبعين في المئة من النشاطات الصناعية، الزراعية، والسياحية والاقتصادية.

يقوم "المركز الوطني لعلوم البحار"، وفق الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور معين حمزه، بمراقبة الشاطئ اللبناني منذ 35 عاماً. وحصل، منذ سبع سنوات، على مركب علمي "قانا" هبة من الحكومة الإيطالية المجهّز بمعدات وتقنيات حديثة ومتطورة لإجراء دراسات بيئية بحرية.

أنشأ المركز شبكة رصد من 30 نقطة على طول الشاطئ اللبناني (من العريضة الى الناقورة) وتمثل تلك النقاط معظم المسابح الشعبية الرملية، بعض الشواطئ الصخرية، ومصبات الأنهر والمرافئ والصرف الصحي.

يقوم المركز بأخذ عينات من المياه والتربة والأحياء البحرية، شهرياً، لفصحها وإصدار النتائج، ويتم إجراء الفحص الكيميائي للمعادن الثقيلة في الرسوبيات مرتين سنوياً. لا يعتمد المركز على نتائج فحوص أجريت لمرة واحدة لتقويم نظافة البحر وتلوّثه بل الى مسار تراكمي على مرّ السنوات.

التوصيات:

لا يملك المجلس سلطة تنفيذية، بل تم إرسال نتائج هذه الدراسة الى الوزارات المعنية لأخذ التدابير اللازمة وتنفيذها. ويوصي المجلس بضرورة إنشاء محطات تكرير للمياه الآسنة، وتحديد مصادر التلوث، وتنفيذ مشاريع لتنظيف الرسوبيات من المعادن الثقيلة، وتوعية المواطنين على عدم رمي النفايات، وسن قوانين لحماية البيئة البحرية وتشريعات في شأن معاقبة المخالفين، وإعادة تدوير النفايات الصلبة وعدم رميها في البحر.

 

السفير