كعب عال، عضلات مفتولة، مشروبات كحولية لا تعد ولا تحصى، أجساد تتمايل على أنغام موسيقى صاخبة، قبلات وهمسات. لسنا نتحدث عن أجواء سهرة في أحد النوادي الليلية، بل نحن في وضح النهار، في أحد المسابح اللبنانية، التي يقصدها أصحاب المال والـPrestige لتمضية أوقات مسلّية، لا تنساها الذاكرة ولا الجيب.

يضيق صدر اللبناني مع قدوم فصل الصيف، ليس فقط بسبب الحرارة المرتفعة، إنما بسبب الأسعار الجنونية التي تفرضها المسابح والمنتجعات. ففي معظم دول العالم، يعتبر البحر ملكاً عاماً، يقصده الناس بمختلف طبقاتهم. في لبنان، يختلف الوضع تماماً. فحيتان المال احتكرت الشواطئ، وشيدت فنادق ومنتجعات سياحية في الأملاك العامة. فأصبح ارتياد البحر حلماً صعباً بالنسبة إلى الفقراء والطبقة المتوسطة، التي باتت “تحسب ألف حساب” حين تفكر في تمضية نهار على الشاطىء.

أمّا بالنسبة إلى أصحاب المال والنفوذ، فوجدوا أن الشواطىء تدرّ عليهم أرباحاً طائلة، وأنشأوا منتجعات سياحية جاذبة، خصوصاً للشباب. وبهدف “اصطياد” هؤلاء، باتت المسابح الخاصة تتنافس على تقديم الخدمات “المغرية”: “دي جي” يطلق العنان للموسيقى الصاخبة والحماسية، سرير “ملكي” يجعل المرء يستلقي براحة تامة أثناء تعرضه لأشعة الشمس، بار وسط المسبح يقدم مختلف المشروبات الكحولية، فضلاً عن الجاكوزي والأجواء الحميمية التي يوفّرها.

أسعار تلهب الجيوب
من الجية وخلدة إلى بيروت وجونية والبترون، منتجعات سياحية لا تعدّ ولا تحصى. يقف اللبناني في حيرة من أمره لجهة تحديد وجهته.

المسابح جميعها تقريباً رفعت التعرفة بحجة الغلاء المعيشي والتكاليف الباهظة المترتّبة، علماً أن الراتب في لبنان يبقى دائماً على حاله عاماً بعد آخر، رفم ارتفاع الأسعار الجنوني.

ماذا لو قرر رب عائلة مؤلفة من 4 أشخاص مثلاً، تمضية نهار في أحد المسابح الخاصة؟

يقول نزار (55 عاماً): “في السابق كنت اصطحب الأولاد إلى البحر مرتين في الأسبوع أو أكثر، إنما الآن مع غلاء المعيشة بات الأمر صعباً. فتمضية يوم واحد على الشاطىء يكبدّني مصاريف كثيرة. فقد أصبح البحر في لبنان رفاهية لم يعد بإمكاني أن أؤمنها لأطفالي”.

وتشير جمانة (40 عاماً) إلى أنها اشترت مسبحاً صغيراً مخصصاً للأولاد وضعته على شرفة منزلها. وتقول: “في ظل الوضع الاقتصادي السيىء، بات الذهاب إلى البحر معضلة أساسية بالنسبة إلي، خصوصاً أن لديّ 3 أولاد. لذا من باب التوفير، وحرصاً على سلامتهم أيضاً قررت شراء حوض سباحة صغير”.

أما أمال، وهي سيدة متزوجة حديثاً، فتعبر عن استيائها من الوضع السائد. وتقول: “ليه أصلاً بعد عنا بحر نظيف نروح عليه؟”. وترى أن أزمة النفايات ألقت بثقلها على الشواطىء اللبنانية، خصوصاً تلك المتاحة للطبقة الوسطى، هذا إن بقي من طبقة متوسطة في لبنان. وتضيف: “إذا لقينا بحر رخيص منضطر نسبح مع أكياس الزبالة”.

“سان بلاش” أو “سان إدة”؟
للأسف كل شيء له ثمن في لبنان حتى المياه والشمس، ولكل منتجع سياحي خدماته الخاصة التي يقدمها لمرتاديه، لذلك تتفاوت أسعار رسم الدخول من مسبح إلى آخر.

ففي مسبح “إيريس” Iris مثلاً في الدامور، يصل رسم الدخول للشخص الواحد إلى 27$. في حين أن “أوركيد” Orchid الجيّة يستقبل الزبائن ابتداءً من 33$. أما “سي فلو” C Flow في جبيل، فإن تعرفة الدخول إليه 26$، علماً أنه يستقبل السيدات مجاناً شرط حضورهنّ قبل الساعة الحادية عشرة صباحاً. وبالنسبة إلى إدة ساندس Edde Sands في جبيل، فرسم الدخول يراوح بين 20$ و28$، وسيان في جونيه يقدم خدماته مقابل 23$ تقريباً. والسبورتينغ في المنارة، تعرفة الدخول فيه تراوح بين 20$ و26$. أما ريفييرا في بيروت، فإن تعرفته بين 24$ و32$.

ووفق عدد نجوم المجمع والخدمات التي يقدمها، يراوح رسم الدخول للشخص الواحد بين 13$ و33$. نتحدث هنا عن تعرفة الدخول فقط، فمعظم المسابح تمنع الزبون من إدخال الطعام والمشروبات معه، حتى إن كان يحمل قنينة مياه شبه ممتلئة، وبضع حبات من الجنارك. وفي حال “تذاكى” المرء وعثر، من باب الصدفة طبعاً، على مسبح “رخيص”، فإنه سرعان ما يكتشف أنه حالما يقرر تناول شيء من المطاعم التي استثمرت جزءاً من الشاطىء، سيصرف ما حاول توفيره في المسبح الخاص. إذ أن سعر زجاجة المياه في المسابح ممكن أن يتخطّى الـ7$.

Beach Prices Lebanon

بعملية حسابية بسيطة، يتّضح أنه في حال أراد المرء تمضية نهاره في الأوركيد مثلاً، وتناول غداء يتضمن برغر و2 بيرة، ليعوّض عن عدم شربه للمياه، ستصل تكلفة نهاره إلى 65$. وفي إيريس سيدفع 49.6$، وفي سي فلو 49$، وفي إدة ساندس سيبلغ يومه تقريباً 58$. أما في عالبحر وبيار أند فراندز، فلا يوجد تعرفة دخول، لكن يدفع الشخص فقط ثمن الطعام والشراب، وبالتالي فإن يومه سيراوح بين 10$ و15$.

في المقابل، ولحسن الحظ، لا تزال هناك شواطىء جميلة في لبنان وهي مجانية. إضافة إلى بيار أند فراندز وعالبحر في أنفه، هناك شواطىء تستقبل الزبائن مجاناً، في الهري (شكا)، كالـ”سانت هيلين” و”سان أنطوان”، كما أن معظم شواطىء صور والناقورة مجانية.

التلوث ببلاش لمن يريد!
في ظل الأزمة الاقتصادية تبقى الشواطئ العامة المنفذ الوحيد لتمضية نهار على البحر من دون تكاليف طائلة. لكن الخيارات محدودة بسبب التلوث الذي تعاني منه معظم الشواطئ اللبنانية، إما بسبب الصرف الصحي، أو بسبب التلوث الكيميائي جراء المعامل الصناعية، وطبعاً جراء أزمة النفايات. في هذه الحالة، يبقى السؤال البديهي هو: أين يمكن أن يسبح المواطن اللبناني؟ وأي شاطئ عام يستقبله من دون تعريض صحّته للخطر؟

عملية صيد الأسماك بالديناميت، رمي النفايات في البحر، والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية، هذه كلها أمور ألحقت ضرراً كبيراً بالثروة المائية. في هذا السياق، قامت مجلة “البيئة والتنمية” منذ عام 2005 بإجراء فحوص لمياه الشواطئ اللبنانية، بإشراف مهندسين بيئيين مختصين. ومنذ سنتين تقريباً، جمع فريق المجلة عيّنات من مياه الشواطئ، حيث يسبح الناس، وتمّ تحليل محتواها من البكتيريا القولونية في مختبرات قسم الهندسة المدنية والبيئية في الجامعة الأميركية في بيروت، وفق المعايير العالمية المعتمدة. وأظهرت التحاليل مستويات خطيرة جداً للبكتيريا القولونية في ثلاثة مواقع رئيسية.

الموقع الأول هو الشاطئ الممتد من شمال نهر الكلب، حيث توجد مجمعات سياحية فخمة، إلى ضبية وأنطلياس نتيجة مجارير هذه المنطقة التي تصب في البحر بلا معالجة، فضلاً عن مياه الصرف من القرى والبلديات في أقضية كسروان والمتن، التي تنتهي في الجداول والأنهار وصولاً إلى البحر.

الموقع الثاني الشديد التلوث، هو الرملة البيضاء، حيث يوجد مسبح شعبي.

أما الموقع الثالث، فهو شاطئ الدامور- السعديات حيث راوحت نتائج التحاليل المتكررة بين 356 و3000 مستعمرة بكتيرية في كل 100 مليليتر.

ولوحظ انخفاض للمستعمرات القولونية في المسبح الشعبي في طرابلس، والمسبح الشعبي في صيدا، بفضل محطتين لمعالجة مياه المجارير، تضخ بعدها إلى البحر على بعد نحو 1600 متر من الشاطئ، حيث تتشتت الملوثات وتتحلل بعيداً عن مواقع السباحة.

ويمكن اعتبار الشواطئ الآتية مأمونة جرثومياً، إذ سجلت فيها أرقام منخفضة، تراوح بين صفر و30. وهي من الشمال إلى الجنوب: شكا/ الهري، سلعاتا، البترون، عمشيت، جبيل، الجامعة الأمريكية في بيروت، الجية، والناقورة.

برغم واقع الشواطىء اللبنانية السوداوي، هناك مبادرات تعيد الأمل باحتمال تحسين وضع الشواطئ العامة، لتكون ملجأً لكل اللبنانيين. منها ما تقوم به جمعية حملة الأزرق الكبير من حملات تنظيف للشواطئ والبحار على امتداد الساحل. فربما تكون تمضية النهار على شاطئ البحر لتنظيفه سيعطيكم الاسمرار نفسه، ولكن بمرح أكيد ومنفعة أكبر.

 (Raseef22)