استطاعت «جبهة النصرة» وحلفاؤها تحقيق انتصار عسكري ومعنوي على قوى «حزب الله» وايران والقوات الحليفة لهما مثل المجموعات الافغانية والميليشيات العراقية كـ «حركة النجباء» وغيرها، في معارك ضارية في ريف حلب الجنوبي، أسفرت عن سيطرة الجبهة وحلفائها على قرية الخلصة وتلّتها، وهي المعارك التي كانت بدأت الثلاثاء الماضي واستمرت لأكثر من 100 الى 120 ساعة متواصلة استُخدمت فيها كل أنواع الاسلحة من الأطراف جميعها.

واستردت «النصرة» وحلفاؤها ما خسروه في الأشهر الماضية يوم تدخلت روسيا بطائراتها وصواريخها المجنحة والعابرة للقارات، وأعادوا بسط سيطرتهم على أهم التلال - اضافة الى الخلصة - كتلة العيس، والكلوجية والمعرة وخان طومان وزينتان وبرنا والحميرة والتمراصي، وذلك بعد قتل عدد كبير من القوى الإيرانية - الأفغانية والقوات الموالية لها مثل «حزب الله» اللبناني والقوى العراقية التي درّبتها طهران وزجّت بها في حرب سورية.

وتقول مصادر ميدانية قيادية في حلب لـ «الراي» ان «القوى التي تحارب الى جانب جبهة النصرة في ريف حلب الجنوبي هي قوات متمرسة عقائدية (في غالبيتها وليس كلها) تستخدم اسلوب الحرب الكلاسيكية ممزوجة بالحرب العقائدية - العصابتية، وهي احرار الشام، فيلق الشام، فيلق الرحمن، اجناد الشام، جيش السنّة، جيش محمد والحزب التركستاني الاسلامي، وغيرها من فصائل الجيش الحر مثل الفرقة 13 التي تدرّبت وتسلّحت على ايدي المخابرات الاميركية»، مضيفة: «نعم لقد خسرت القوات المهاجِمة عدداً كبيراً من المسلحين بين قتيل وجريح، وكذلك خسر حلف ايران أعداداً لا يستهان بها. ففي جنوب حلب تعود القيادة الى ايران والى جنرالات ايرانيين يتولون القيادة وخطط الدفاع والهجوم على كافة المحاور. ولدى حزب الله بضع مئات من المقاتلين بقوا في حلب لتثبيت المواقع الدفاعية من دون أخذ مبادرة الهجوم. ولذلك فان الحرب التي دارت رحاها في حلب متشعّبة الأسباب والأوجه».

وتشرح المصادر ان «الجانب العسكري يدلّ على مستوى عالٍ جداً تتمتع به جبهة النصرة في الحرب السورية. فقد أمّن هؤلاء - قبل المعركة - قصفاً تمهيدياً لضرب خطوط الدفاع وارهاق الخصم او العدو، ومن ثم قصفاً لمؤازرة القوات المهاجمة، وإسناداً مدفعياً قريباً وبعيداً واكب القوى المهاجِمة المحمولة والمشاة المتقدمة منها. ولم يستطع حزب الله إقامة موانع حادة اصطناعية كافية لصدّ هذا العدد الكبير من المهاجمين الذين استخدموا أسلوب عمل وهجوم الجيش الكلاسيكي عبر إشباع منطقة العمليات بالنيران وبالعنصر البشري مع قدرة هائلة لتقبّل الخسائر (يحكى عن اكثر من مئتي قتيل لجبهة النصرة وحلفائها مقابل اقلّ من مئة قتيل من حزب الله وايران والعراقيين والافغان)».

وتستطرد المصادر ان «حزب الله وايران يعملان من خلال مبدأ عسكري يسمح باستخدام المقاتل لجولات عدة، بينما تعمل جبهة النصرة بمبدأ الحصول على المكتسبات والجغرافيا، غير آبهة بأعداد العناصر البشرية التي تخسرها، الا انها تحقق انتصاراً عسكرياً واعلامياً بمواكبة المعركة وتصويرها وبثّها للإعلام العالمي لجذب الدعم المادي والعسكري وجذب المجاهدين إلى معركة سورية التي دعا لها زعيم القاعدة ايمن الظواهري».

وتقول المصادر ان «الاطراف المتحاربة جميعها تحمل الشعارات نفسها وتطلق على قتلاها صفة الشهداء وتقاتل في سبيل الله وتحمل عقيدة - ولو مضادة - راسخة مقتنعة بالشهادة والموت في سبيل القضية التي تعتبرها وجودية، مما يجعل وطأة المعركة أشد وأقسى وأكثر ضراوة من اي معركة حصلت في التاريخ المعاصر».

وتكمل المصادر ان «النصرة تستخدم الأسلوب نفسه الذي اعتمده حزب الله في الثمانينات والتسعينات ايام حربه ضد اسرائيل في جنوب لبنان حيث كان يرسل العشرات من المقاتلين لاحتلال موقع واحد ورفْع علم الحزب عليه مع احتمال خسارته بعد ساعات لمصلحة اسرائيل. الا ان تسجيل الانتصار الجغرافي اللحظوي مهمّ ليس فقط لمعنويات المقاتلين والحزب بل للدعم الخارجي والمراقب الدولي والوقع المحلي الداخلي على الحلفاء والأعداء والبيئة الحاضنة، حتى ولو كلف موقع واحد سقوط عدد كبير بين قتيل وجريح. بينما كانت وما زالت اسرائيل تعمل بأسلوب مختلف، اذ ان الحالة النفسية عند القائد العسكري الاسرائيلي تأخذ في الاعتبار ان العرب مئات الملايين بينما اليهود هم بين 6 و 8 ملايين ولذلك يتجه القائد للتحصين واستخدام المعدات الحربية المتطورة لتعويض النقص والفرق البشري الهائل. وهذا ما يفعله حزب الله اليوم، اذ يقتصد بالقوى ويرسل المقاتلين بأعداد محددة خصوصاً في ريف حلب الجنوبي، لانه لا يريد المشاركة في القتال على مستوى واسع لأسباب تتعلق بالموقف الروسي - الاميركي تجاه جنوب حلب، ويريد حضورا لمقاتليه لتثبيت المواقع مع عدد محدود ووجود بحجم الموقع، دون الاخذ في الاعتبار إمكان الهجوم المضاد من الخصم العسكري (النصرة وحلفاؤها) بأعداد هائلة لاحتلال موقع مثل خلصة. وقد ثبت ان لدى النصرة القدرة ليس فقط لتقبل خسائر عالية بل هناك تضحية واضحة مدعومة بامكانات عسكرية عالية توازي تلك التي يملكها الجيش السوري مع التفوق بالعدد في الهجوم».

وتقرّ المصادر بان «ايران وحزب الله كانا على علم بتوقيت الهجوم ومكانه وحجم القوى المشارِكة. وقد استطاع الطيران السوري تنفيذ غارات عدة ضد التجمعات العسكرية الثابتة للمسلحين، ومع ذلك نجحت النصرة وحلفاؤها بالوصول الى أهدافها المحددة».

ولكن لماذا خلصة؟ تقول المصادر «انها باب الحاضر حيث من المتوقع ان تكمل النصرة وحلفاؤها عملها لفصل مناطق نفوذ الجيش السوري في ريف حلب الجنوبي عن مناطق سيطرته الأخرى في حلب ليغلق طريق حلب - الصفيرة».

من الواضح ان «حزب الله» غير مهتمّ بتعزيز مواقعه في جنوب حلب بسبب الاتفاق الاميركي - الروسي الذي يقضي بعدم تدخل روسيا بطائراتها في جنوب حلب وإعطاء الفرصة للولايات المتحدة لمحاولة فصل «النصرة» عن الفصائل الأخرى، وهي محاولة مكتوب لها الفشل المؤكد لان «النصرة» أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المجتمع السوري، تقدم الشجاعة في الميدان وتكون امام المقاتلين في مواقع القتال وتنسحب عند اول شرارة فتنة داخلية، كما حصل في الأشهر الماضية في ادلب اثناء فترة وقف اطلاق النار، كما انها تقدّم الخبرات العسكرية اللازمة والمعدات المتوافرة لديها وتراعي مسألة توحيد الصفوف بين المعارضة، ولذلك فان الحلم الاميركي لن يتحقق بسبب إدراك «النصرة» لمخطط ضربها من الداخل وبين حلفائها السوريين.

ومن الخطأ الاعتقاد ان المجاهدين الأجانب هم الذين يقدّمون الخبرات العسكرية لـ «النصرة»، بقدومهم الى سورية بعد طلب الظواهري. اذ ان المجاهدين الذين خدموا في افغانستان او اي مناطق اخرى مثل العراق والشيشان لا يملكون خبرة أهل الشام الذين يخوضون حرباً منذ 5 اعوام ونيف في الجبال والوديان والمدن وحرب الشوارع وحرب التلال ومواجهة الدبابات واستخدام المدرعات والمدافع المخفية والتكتيكات العسكرية على أنواعها. فسورية هي المدرسة التي تعلّم المجاهدين وليس العكس. ولهذه الاسباب، ولان روسيا ليست لديها نية معاداة حلفائها الاقليميين بالتدخل ضد «النصرة» و«احرار الشام» وغيرهما، ولان الولايات المتحدة تهادن روسيا وتطلب منها الصبر في مواقع وليس بمواقع اخرى، فقد قرر «حزب الله» التوجه الى دير الزور لتحضير معركته الكبرى هناك ضد «داعش» في أعنف معركة ستشهدها الساحة السورية والمتوقّع لها ان تبدأ في الشهرين المقبلين لتكون معركة مشابهة لمعركة القصير والقلمون والزبداني، بمشاركةٍ روسية جوية

 

 

(الراي الكويتية)