ليست المرة الأولى التي يثبُت فيها أن "حزب الله" وبرنامجه السياسي والعسكري أكبر من طاقة لبنان على الاحتمال. هذا اليقين راسخ منذ تأسيس الحزب في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وهو يتجدد بين الحين والآخر، ويضاعف العبء على عناصر الاجتماع اللبناني، التي كانت ولا تزال تقاوم، بالمعنى الحرفي للكلمة، بقاء لبنان دولة حرب مفتوحة وجمهورية قتال دائم، تحت عنوان "المجتمع المقاوم"، حسب الأدبيات الأخيرة للحزب والكتب الصادرة عن قيادته.

في البدء، لم تكن إقامة جمهورية إسلامية في لبنان شعاراً فقط، بل كانت أحد أهم بنود "المانيفست" الأول للحزب وجدول أعماله الرئيسي، الذي نبذته الطائفة الشيعية قبل سواها، على إختلاف رموزها الدينية، ووجهت الحزب يومها نحو وراثة حركة المقاومة اللبنانية والفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي.. وعلى التخلص من بقايا تلك الحركة التاريخية التي تركت بلا غطاء بعد غزو العام 1982.

أدى الحزب تلك المهمة بنجاح مميز أثمر تحريراً ناجزاً في العام 2000، الذي سجل إشهار الحزب الصريح والواضح أن زهده المعلن في السلطة في ذلك الحين ناجم عن أن معركته مستمرة ومفتوحة مع العدو الإسرائيلي، بغض النظر عن الأكلاف والاعتبارات اللبنانية الداخلية، بل بتحدٍ مباشرٍ لتلك الاعتبارات، وللتوازنات المحلية الدقيقة. يومها جاهر الحزب للمرة الأولى أنه قوة أقليمية، سورية وإيرانية، تخدم جدول أعمال طهران ودمشق وطموحهما العميق للتفاوض مع الأميركيين والإسرائيليين.

الحرب الأخيرة التي أشعلها الحزب في صيف العام 2006 لم تكن خارج هذا السياق أبداً، بل كانت في عمقه. سبقها قبل أسابيع شعار "نحن قوم لا ننسى أسرانا"، ورفض طهران المتسرع لعرض الحوافز الأميركية الشهير. فكانت النتيجة أن كشف الحزب النقاب عن أن المقاومة التي كان يفترض أن تمنع إي اختراق إسرائيلي للحدود باتت قوة صاروخية مؤثرة تعبر عن طموح إيراني سوري إلى تحقيق توازن رعب مع العدو.. إو إلى تشكيل قوة ردع تجاه إسرائيل.. التي لم ترتدع بل انتهزت فرصة تورط الحزب في الحرب السورية في السنوات الماضية من أجل تدمير عدد من مخازن وقوافل الصواريخ التي كانت موجودة في سوريا أو في السودان أو حتى في أعالي البحار..

وعلى الرغم من أن الحزب نفذ مهمات خارجية شتى لمصلحة سوريا وإيران، ألحقت كثيراً من الضرر بالداخل اللبناني، فإن الانخراط في الحرب السورية كان ولا يزال يمثل ذروة الخروج على قواعد الاجتماع اللبناني والاستفزاز لمعاييره الحساسة، مثلما كان أيضاً مقدمة لتحويل الحزب من قوة مقاومة، نالت يوماً ما إعترافاً محلياً وعربياً وحتى عالمياً، إلى فرقة إرهابية مطاردة في كل مكان وعلى مختلف المستويات.

حملة الملاحقة التي وصلت في الآونة الأخيرة إلى العصب المالي، عرت الحزب وسلطت الضوء مرة أخرى على سلوكه التقليدي العابر للحدود والمقومات اللبنانية. لم يتصرف الحزب على أساس أنه مقاومة تضطر بين الحين والاخر إلى النزول تحت الأرض والعمل في السر، بل قرر المواجهة العلنية المفتوحة مع القطاع المصرفي اللبناني، الذي يشكل قدس أقداس النظام اللبناني وركيزته الأساسية، بل ربما الوحيدة، التي تشرف على دورة إقتصادية، لم يبق من علامات استمرارها وشروطه سوى المصارف، وعلى رأسها المصرف المركزي، التي تضمن الاستقرار النقدي.. بكلفة عالية وارباح خيالية طبعاً.

قبل السؤال عما إذا كانت المواجهة الحالية تتم بتعليمات دمشق وطهران اللتين تتعرضان لمصاعب مالية تكاد تكون واحدة، مع النظام المصرفي العالمي، ولا تقيمان وزناً للقطاع المصرفي اللبناني، يمكن الجزم بان الحزب يخوض هذه المرة معركته المصرفية "المجيدة"، مباشرة مع مجموع اللبنانيين الذي هالتهم المتفجرة الأولى ومست عقدة جوهرية من أحوالهم المعيشية المتردية أصلاً، نتيجة مغامرات الحزب نفسه، الذي يخرق حدود لبنان ويشكل العبء الأكبر على أوضاعه السياسية والإقتصادية والأمنية، والسبب الأهم لحالة الفراغ والفوضى الأعمق منذ الحرب الاهلية.

لن يعبأ الحزب بكلفة هذه المواجهة، مثلما لم يبالِ بأكلاف مواجهات عديدة سابقة خاضها لوحده، وكاد يجددها مع إسرائيل بالذات، قبل أشهر، في أعقاب اغتيال سمير القنطار، حسبما كشف الأمين العام السيد حسن نصر الله شخصياً، عندما تلقى الحزبيون وحدهم دون سواهم من بقية المواطنين، الأوامر بإخلاء المواقع والمكاتب والاستعداد لإطلاق الصواريخ.. إلى أن قرر الحزب بالأمس أن معركة المصارف يمكن أن تكون أشد إيلاماً للبنان من حرب جديدة مع العدو الاسرائيلي.

 

ساطع نور الدين: المدن