لم تكن رئيسة محكمة الجنايات في بيروت القاضية هيلانة اسكندر بحاجة لاكثر من نصف ساعة لانهاء استجواب قاتل جورج الريف الموقوف طارق يتيم، فشريط الفيديو الذي يوثّق جريمة القتل التي ارتكبها الاخير بوحشية، وفّرت على رئيسة المحكمة عناء الوقت والجهد في انتزاع اعترافاته. فالمتهم، الذي ما زال "محافظاً" على "عضلاته المفتولة" داخل السجن، اقرّ بطعن المغدور وركله حتى لفظ انفاسه، انما لم يكن يقصد قتله.  

  الملاحقة البوليسية، كما وصفها المتهم اثناء عملية الطاردة يوم الحادث، انتهت بجريمة قتل، جريمةٌ قال عنها المتهم انه "لم يكن يعلم انها كذلك"، وكأن المغدور قد "تعثّر" بالسكين التي لا تفارق المتهم، مبرراً فعلته بانه كان تحت تأثير الكحول التي تناولها قبيل الحادث، فضلاً عن انه يتناول ادوية للاعصاب من خلال وصفة طبية "اختفت من جيبي اثناء التحقيق معي لدى رجال التحري".  

وبهدوء واسترخاء تامّين، أمعن المتهم في تبرير جريمته، فهو لم يكن يدرك ان القتل يمكن ان يحصل بعقب السكين كما فعل مع المغدور، وهو المعروف بسجله الحافل من الملاحقات لعل ابرزها محاولة قتل مازن الزين والاعتداء على احد المدرّسين في مدرسة زهرة الاحسان.

  "فوجئ" يتيم عندما شاهد جزءاً من شريط الفيديو حول الحادثة اثناء التحقيق الاولي معه، "فأنا لم اتصورّ حصول هذه الكمية من الضرب"، قال المتهم الذي اجاب على سؤال المحكمة: هل انت نادم؟ بـ "اكيد".  

ولم تخلُ جلسة استجواب يتيم من بعض المشاحنات بين جهتي الادعاء الممثلة بالمحامي زياد البيطار والدفاع عن يتيم وصديقته المدعى عليها لينا حيدر المحامي انطوان طوبيا الذي هدّد بالانسحاب من الجلسة عندما وصف المدعي "ومجموعته بانهم يؤلفون عصابة ويقتلون الناس"

وقد طلب المدعي تدوين اقواله في محضر الجلسة الامر الذي رفضته رئيسة المحكمة، فتوجه حينها المدعي الى الكاتبة مصراً على تدوين اقواله متجاوزاً بذلك الرئاسة التي قررت اهمال ما قاله.  

وكان سبق الجلسة حصول اشكال امام قاعة المحكمة بين والدة المتهم والمدعى عليها من جهة واحدى الزميلات من جهة ثانية عندما حاول "الفريق الاول" الاعتداء عليها لاعتقاده انها قام بتصويرهما.

وقد تدخل على الاثر العناصر الامنية التي انتشرت في قاعة المحكمة اثر بدء الجلسة التي ارجئت الى السادس من تشرين الاول المقبل لسماع الشهود.

  وكانت الجلسة قد بدأت بتلاوة رئيسة المحكمة هيلانة اسكندر القرار الاتهامي بحضور المستشارين القاضيين البير قيومجيان وعماد سعيد وممثل النيابة العامة القاضي كمال ابو حيدر.

كما حضر الى البيطار عن الجهة المدعية المحاميان ماري روز روحانا وبولس حنا وزوجة المغدور رولا ابو صالح.  

على يمين قاعة المحكمة جلست عائلة يتيم وسط انتشار العناصر الامنية داخلها. لم يبد يتيم اي ردة فعل وهو ينصت الى القرار الاتهامي الذي يروي كيفية حصول الحادث وتخبئته للسكين فوق سخان المياه في منزله، وما ورد من تناقض في تقارير الاطباء النفسيين الذين عاينوه حيث افاد الطبيب احمد عياش ان للمتهم شخصية مرضية غير متزنة وردات فعل وشك وحذر انما كان مدركاً لسلوكه بعد الحادث، الامر الذي اكد عليه الطبيب الاخر ايلي كرم حول ادراك المتهم لفعلته فيما جاء تقرير طبيب ثالث مغايراً الذي اعتبر ان يتيم يعاني اضطرابات نفسية ومدمن على تناول الادوية المهدئة.

  ثم سألت رئيسة المحكمة المتهم عما يقوله بالتهمة الموجهة اليه. صمت يتيم طويلاً، نظر من حوله قبل ان يقول: "في شي ناقص كنت سكران وكلّو مبيّن".  

لكن السكران لا يكون بوعيه؟   -كنت قد شربت اكثر من ليترين من الفودكا.   لماذا هجمت على المغدور وهو اعزل وضربته بالسكين على رجله ثم هرب من امامك عدة مرات وانت تلاحقه؟   -فينا نراجع الشريط.

وهنا اعلمته رئيسة المحكمة ان لديها جهاز لابتوب لعرضه، ثم اجاب يتيم: في مطرح انا اترنّح. 

  وماذا عن بقية المشاهد وانت تركله؟  

-ما كنت مركّز بالمرة.

  هل كنت تقصد قتله؟  

-اكيد لا، كان بحوزتي سكين مفتوحة وبحسب ثقافتي ان القتل يكون بنصل السكين وليس بعقبها، وانا ضربته بعقبها.

  لكن القتل قد يحصل من دون الذبح بالسكين؟  

-هلّق صرت اعرف.  

وهل انت نادم؟   -نعم.

  ولماذا تحمل سكيناً وانت "اسمالله" مفتول العضلات؟  

-كانت موجودة معي داخل حقيبة صيد وانا احملها اغلب الاحيان.

هل رأيت الشريط المصور للحادث؟  

-نعم رأيت مقتطفاً منه لدى التحري.

  وماذا شعرت؟  

- فوجئت، عرفت حالي انني طارق بس مش بهالكمية من الضرب.

  وفي رده على اسئلة وكيل الادعاء المحامي البيطار قال المتهم انه لا يذكر من الذي اصطدم بالاخر في السيارة، وعلى ما يعتقد ان المغدور كان يقود سيارته.

ولماذا ضرب "تابلوه" السيارة بالسكين، اجاب: "لانني كنت قد اصبحت بحالة عصبية.

وعن سبب قوله للينا حيدر"انبسطّي"، قال المتهم انه لا يذكر ذلك، كما "لا يذكر" ما اذا كان المغدور قد قال له اثناء الحادث "كفى ما بتستاهل هلقد حرام عليك".

  وهل كان المتهم واعياً عندما ضرب المغدور على رجليه لشلّ حركته اجاب: "يمكن ان نصل الى اثبات لانني كنت مخدّرا من الكحول".  

وسألته رئيسة المحكمة، لكنك كنت تركض وراءه فكيف كنت مخدّراً، فهل تركض عادة وانت سكران، لم يجب يتيم انما هزّ برأسه ايجاباً.  

وبسؤال المدعي عن سبب عدم طلب المتهم اجراء فحص لاثبات تناوله الكحول اثناء توقيفه، اجاب: "لم اعرف انها جريمة قتل". وهنا تدخل وكيل المتهم معتبراً بانه كان على القوى الامنية ان تأخذ المبادرة باجراء الفحوص لموكله.  

وعاد المدعي يسأله عن سبب عدم توجهه الى المستشفى بسبب اصابته بجرح في يده فقال بان الجرح لم يكن بحاجة الى مستشفى.

  ولماذا لم يذكر سابقاً بانه كان في حال سكر قال المتهم انه ذكر ذلك لدى التحري وان الوصفة الطبية التي كانت معه قد اختفت. واضاف يتيم: "انا اتناول كمية من الادوية ومع الكحول لا اعرف نتيجة الامر".

  وهل سبق ان حصل معه حادث مماثل وكان سكراناً، قال المتهم انه حصلت معه مشكلة في السابق مع رجل امن انما لم يتعرض له بالضرب ولم يكن بحالة سكر.

وهل تعدى على اشخاص اخرين اجاب: "نعم بالبوكس ولكن ليس بالقدر الذي تأذى فيه الريف، اصيبوا بجروح طفيفة".

  وتحدث عن واقعة ضرب في مدرسة زهرة الاحسان. وهلى لديه دعاوى محاولة قتل، اجاب: «واحدة، حين تعرضت لمازن الزين عندما كنت اعمل مع شخصيات ولم اكن سكراناً وانا كنت اعمل في "السوسيتيه جنرال" وتركت العمل قبل الحادثة بسنتين.

وبسؤاله قال انه ذكر في التحقيق انه كان يعمل لدى انطوان صحناوي "لكي اخفّف عني ضغط التحقيق".

وهل ان صحناوي يخفّفه؟، اجاب: "ممكن". وهنا عارض الدفاع تناول سيرة اشخاص لا علاقة لهم بالقضية.

  وبسؤاله عن سيارة المدعى عليها من نوع بيكانتو وما حصل فيها بعد الحادثة قال المتهم انه قادها في اليوم التالي قاصداً صديقه جوزف منصور الذي ابلغه بانه ملاحق والقوى الامنية تبحث عنه.  

وسأله القاضي ابو جودة عن اصراره مهاجمة المغدور فيما قال انه لم يكن واعياً؟ فاجاب: «في شي غريب، انا لم اتصرف بعقل، كنت اضرب الناس عشوائياً".

  وهل ان رؤيته للدم تساعد في العودة الى رشده، قال المتهم: "ليس لدي مشكلة مع منظر الدم".

وفي رده على وكيله قال يتيم: "ان حادثة وقعت معه في العام 2000 على ما يذكر عندما حاول ثلاثة عناصر من الجيش السوري ذبحه بسكين لانه كان يردد شعاراً حزبياً معادياً للجيش السوري، وان آثار السكين لا تزال ظاهرة على رقبته ووجهه.

وهنا طلبت رئيسة المحكمة من المتهم الاقتراب من القوس ولم تلاحظ اي اثر سكين على رقبته انما على ذقنه.

واكد يتيم ان كان يُعالج لدى طبيب نفسي.  

وباستجواب لينا حيدر حول تهمة تهريبها المتهم اكدت بانها لم تفعل ذلك انما طارق كان "كتير شربان "وحاولت تهدئته بعد ان اصطدمت سيارة المروح بسيارتها وان المغدور كان "معصّب كتير" فقررت عدم التوقف ومضت في طريقها حيث انعطفت الى اليمين ليتبين ان الطريق غير نافذ حيث وقع الاشكال.

واضافت انها كانت المرة الاولى التي ترى فيها طارق بهذه الحالة العصبية مستغربة سبب لحاق المغدور بها. وقالت انها تعرف الوضع النفسي ليتيم ولم يخطر ببالها ابلاغ القوى الامنية حول الحادثة.

واكدت ان المغدور هو الذي صدم سيارتها في حين اعتبر ممثل الادعاء انه جرى تبديل معالم السيارة بعد الحادث من قبل صديق يتيم المدعو جوزف منصور.

  وقررت المحكمة دعوة منظم محضر التحقيق الاولي مع المتهم وصرف النظر عن باقي شهود الحق العام وعددهم 8 كون شريط الفيديو يظهر الحادثة وفي ضوء اعترافات المتهم والمدعى عليها.

كما طلب وكيل الدفاع دعوة الاطباء النفسيين فيما قررت المحكمة البت بطلب الادعاء دعوة الشاهد منصور في غرفة المذاكرة.

ورفعت الجلسة الى السادس من تشرين الاول المقبل.

(المستقبل)