فيما تخطو الإدارة الأميركية برئاسة باراك أوباما خطوات ثابتة في تعزيز العلاقة مع الحكومة الإيرانية، تستمر الخزانة الأميركية في السير بالخطى نفسها في تنفيذ العقوبات وتشديدها على حزب الله، وفي آخر الإجراءات المالية تتحكم وزارة الخزانة هذه في كل الحسابات المالية في لبنان وفي كافة العملات سواء أكانت بالعملة اللبنانية أم بالدولار، فقد فوجئ حزب الله أخيرا بأن العقوبات لن تقتصر على إغلاق حسابات مناصريه بالعملات الأجنبية، بل تعدى الأمر ذلك إلى التحكم في الحسابات والودائع بالعملة اللبنانية وكان آخرها قبل أيام حيث تم فرض إغلاق حسابين لنائبين لبنانيين من أعضاء حزب الله. ما كان صادما للحزب وقيادته أن البنوك اللبنانية – وقبلها مصرف لبنان المركزي – قالت، ببساطة، لست قادرة على عدم تطبيق أحكام الخزانة الأميركية ولست في وارد مواجهتها، لأني، ببساطة، سأضرب النظام المصرفي اللبناني، القطاع الوحيد الذي بات يشكل الحصن الأخير للاقتصاد اللبناني والسياسة المالية.

تتقدم العلاقات الإيرانية – الأميركية ويتمدد التعاون في أكثر من مجال. العقوبات وإن لم تتم إزالتها بالكامل عن إيران فإن الإشادة بالتزام إيران بشروط الاتفاق النووي فتحت الباب أمام الشركات الغربية والأميركية، من أجل المباشرة أو الاستعداد للاستثمار في إيران، ولا ريب في أن التعاون الإقليمي لا سيما في العراق يجري على قدم وساق، وبثقة غير مسبوقة بين الطرفين، سواء في دعم الحكومة العراقية الحليفة لإيران، أم في تنسيق الخطوات لقتال “داعش” أو عدم قتالها، لا تبرز أي اتهامات متبادلة بين الإيرانيين والأميركيين في هذا الشأن ما يؤكد أن التناغم والانسجام يبدوان شبه كامليْن في العراق.

لم تمض أيام على زيارة مستشار المرشد الإيراني، علي أكبر ولايتي، إلى بيروت ولقائه أمين عام حزب الله حسن نصرالله، حتى كان اغتيال مسؤول العمليات الخارجية والعسكري المؤسس في حزب الله، مصطفى بدرالدين، مساء الخميس المنقضي في منطقة قريبة من مطار دمشق. ولايتي قدم ليطمئن حزب الله على ثبات الموقف الإيراني من دعم حزب الله، وليؤكد استمرار القتال في سوريا، وعلى أن إيران ستزيد من حشد المقاتلين في سوريا وعلى تخوم حلب، وأنها لن تتخلى عن الرئيس بشار الأسد ولن تدخل في أي تسوية على حسابه.

رسالة ولايتي لم يختف صداها بعد، فتم اغتيال مصطفى بدرالدين بصاروخ أدى إلى مقتله وحده وجرح آخرين. حزب الله الذي اتهم إسرائيل باغتياله، عاد واتهم جماعات تكفيرية بالوقوف وراء العملية، لكن كل المعطيات التي أحاطت بالعملية – وحتى ما نشره الإعلام القريب من حزب الله – أكدت أن طبيعة العملية ودقتها تشيران إلى البصمة الإسرائيلية أو الأميركية، لكن حزب الله أصر على أن الاغتيال نفذته جماعات تكفيرية.

لم يكن اغتيال بدرالدين هو الأول لقيادي ملاحق دوليا؛ فقد سبق أن اغتِيل عماد مغنية في فبراير من عام 2008 في دمشق، ومن المعروف أن بدرالدين متهم من قبل المحكمة الخاصة في لبنان بأنه من ضمن مجموعة خططت ونفذت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في فبراير من عام 2005. وتجدر الإشارة إلى أن بدرالدين ومغنية تربطهما علاقة مصاهـرة، وهما بدآ نشاطهما العسكري والأمني في حركة فتح قبل أن ينضويا في عام 1982 – ومع الخروج الفلسطيني الشهير ذلك العام – تحت الحرس الثوري وكلفا آنذاك بتأسيس القوة العسكرية والأمنية لحزب الله وبتنفيذ عمليات، وقد تردد أن تفجير السفارة الأميركية في بيروت كانت بصماتهما عليه، فيما وقع بدرالدين في قبضة السلطات الكويتية في العام نفسه بعد تورطه في تفجيرات الكويت في ذلك العام.

يمكن القول إن بدرالدين مخزن أسرار كبير وهو أحد المطلعين والمنفذين للعديد من العمليات الخارجية لحزب الله والحرس الثوري، وله دور بارز في إعداد عمليات زعزعة الوجود الأميركي في العراق، وهو منذ نجح في الفرار من السجن الكويتي بعد اجتياح العراق للكويت عام 1990 استعاد دوره تحت إشراف مغنية الذي نجح في الإمساك بمفاصل القرار الأمني والعسكري في حزب الله أثناء مرحلة سجن بدرالدين.

لا يمكن تقبّل فرضية أن اغتيال مصطفى بدرالدين كانت وراءه جهة إيرانية، لكن يمكن القول إن انتقال بدرالدين للقتال في سوريا جعله في موقع تتداخل فيه قوى محلية وإقليمية ودولية؛ فبدرالدين الذي ينسق مع الضباط الروس في الميدان السوري، ينسق حلفاؤه الروس مع إسرائيل في الميدان السوري نفسه. وأيا يكن الأمر فإن اختيار إسرائيل اغتيال بدرالدين ينطوي – بحسب المتابعين لموقف إسرائيل وسلوكها- على محاولة لجر حزب الله إلى المواجهة معها، باعتبار أن إسرائيل تريد أن توجه رسالة قوية لحزب الله تطوي فكرة خطر السلاح الاستراتيجي الذي يملكه حزب الله ويهدد به إسرائيل بين فترة وأخرى.

المهم أن حزب الله لم يتهم إسرائيل، لكن الأهم أنه في تعامله مع قضية بدرالدين وفي مسارعته إلى تبرئة إسرائيل يشير إلى أنه لا يريد خوض حرب مع إسرائيل، وهو يهرب من استدراجها له، لكن الأهم أن عدم رد حزب الله على هذا الاغتيال سيسرّع من عمليات اصطياد العديد من رموزه، وهي بالتأكيد على اللائحة الإسرائيلية. ولكن بمنطق حزب الله اليوم وغدا، كل اغتيال وراءه التكفيريون حتى لو كانت طائرة إسرائيلية هي من يطلق الصواريخ الفراغية القاتلة.

 

العرب علي الامين