تترك غادة عيد لـ"الجديد" تجربة تلفزيونية اختمرت فأتت بثمرة مفيدة. "كواليس المدينة" أبعد من مسلسل يُعرض بقصد التسالي.

 

هو خلاصة سنوات أمضتها عيد في خفايا القضاء والأمن والمحسوبية والرشوة والفساد وما يصلح لوصف لبنان من دون أكاذيب.  

يحاكي المسلسل (كتابة عيد، معالجة درامية بلال شحادات، وإخراج أسامة شهاب الحمد) أقنعة المجتمع اللبناني ووجوهه المتناقضة.

لكلّ شخصية اختزالات تطاول فئات تشبهها، فثمة رجل الأمن الفاسد (دور لافت لغبريال يمّين)، والقاضي الوحش (يوسف حداد) الذي يتعاطى المخدرات ويرسل أبرياء إلى السجن، والمرأة النافذة (كارمن لبّس) القادرة بمالها على إسكات سياسيين وقضاة.

هنا الثنائيات تتواجه: الخير متمثلاً بضابط الأمن أنور (عمار شلق) بمساعدة الصحافية علا (سارة أبي كنعان)، مقابل الضمائر الميتة الممثلة بنحو ثلاثة أرباع شخصيات المسلسل، المنضوين تحت شعار الدوس على كلّ شيء.

هم الشرّ بضحكته الماجنة وأظفاره المغروسة في عمق التركيبة اللبنانية، وهنا أهمية أن يكتب النصّ عارفٌ في الخفايا ومتوغّل في المفترقات، لا منظّر من مسافات، تارة يتعثّر وأخرى قد يتورّط بالوعظ والتيه والاضطراب.

ثقل المسلسل في ذاته، لا في كونه جزئيات مترابطة عنوانها النصّ والتمثيل والإخراج.

واقعيته تغلب سياقه الدرامي، كما تغلب رسالته أيّ لمسات جمالية. ويغلب أيضاً حذر الوقوع في التعميم وأخذ المُشاهد إلى الاستنتاج أنّ القضاء برمّته فاسد، كذلك المؤسسة الأمنية، وفي الحقيقة، يقول المسلسل، ثمة النظيف والشريف وصاحب الضمير، مختَزلاً تحديداً بشخصية شلق، وإن بالغ في نظراته المثالية ووجهه المنضبط.

نرجو عدم الانجرار إلى تصوير أنور وعلا بطلين، في مقابل الانهماك بجَلْد الأشرار. من شأن إشكاليات كالفضيحة والمخدرات والتواطؤ والطمع أن تشكّل من تلقائها مسرحاً للاحتمالات كلّها.

يبقى أن المسلسل ليس مستعداً لإخفاء نصرة الضحايا. شخصية إلسا زغيب صوت العمل وصداه المُعذَّب. الصدى الذي يردّد: "المعتّر بكلّ الأرض دائماً هوّي ذاته. هوّي ذاته. هوّي ذاته". النهار