كلما طرأ تغيير في سياسة المملكة العربية السعودية، تزامن معه حديث عن تغيّرات في علاقات الرياض بأهم حلفائها الإقليميين، وخصوصا مصر، التي تجمعها بها علاقة ذات خصوصية قد لا توجد بين السعودية ودول عربية وإقليمية أخرى، وأيضا بين مصر وحلفاء عرب وإقليميين آخرين.

وهذه الخصوصية، وهي أمنية بالأساس، هي التي تجعل اختلاف الأولويات ووجهات النظر في بعض الملفات الإقليمية لا يفسد التواصل بين الرياض والقاهرة، ولا ينفي أن السعودية عنصر جوهري لضمان أمن مصر، مثلما هي أهمية مصر بالنسبة إلى الأمن السعودي.

في هذا السّياق يتنزّل الهدف من زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز يوم الخميس للقاهرة، التي قال عنها خبراء إنها أفضل ردّ على التكهنات التي راجت مؤخرا بخصوص وجود خلافات أساسية بين الدولتين، بعد أن تم الإعلان عن عقد قمة منذ فترة.

“رسائل سياسية وعسكرية ودبلوماسية”، هكذا وصف المحلل العسكري والعميد المتقاعد بالجيش المصري صفوت الزيات زيارة الملك سلمان ومباحثاته المرتقبة مع السيسي بالقاهرة؛ في حين قال حسين الشاذلي، سفير مصر الأسبق في الرياض، لـ”العرب”، “العلاقات بين القاهرة والرياض تعتبر الأكثر كثافة على المستوى الاقتصادي والسياسي، ما وضعها في عداد العلاقات الحيوية وذات صبغة استراتيجية، خاصة أن الدولتين تتفقان حول مجموعة من القواعد الأساسية والمبادئ الحاكمة لعدد كبير من القضايا؛ وحتى في الملفات التي بدت فيها المواقف غير متطابقة أحيانا، مثل الأزمة السورية، كان التباين منصبا في التفاصيل فقط، وأكّد الجانبان دوما الحفاظ على وحدة الدولة السورية وسلامة أراضيها”.

ورأى عبدالرؤوف الريدي، سفير مصر السابق في واشنطن، أن زيارة العاهل السعودي خطوة كبيرة تؤكد أن نقاط الاتفاق بين البلدين أكبر من مساحات الخلاف، وأن هناك شعورا مشتركا قويا بأهمية التنسيق بينهما.

وأكد الريدي في تصريحات لـ”العرب” أن مسألة التفاهم بين موسكو وواشنطن حول مستقبل بشار الأسد تنفي شائعات الخلاف في وجهات النظر بين القاهرة والرياض. وشدّد على أن مناطق التفاهم في الملف السوري ليست هيّنة، حيث يعمل البلدان باقتدار على تحجيم التيار المتطرف في سوريا والمنطقة، خوفا من اتساع نفوذه وسط حالة الفوضى التي تعم بعض الدول.

وتستمدّ هذه الزيارة أهميتها من كونها من الزيارات الخارجية النادرة للملك سلمان بن عبدالعزيز، وتأتي في خضم تحرّكات لها علاقة بتطورات الوضع في اليمن والموقف من حلفاء إيران في المنطقة والقمة الإسلامية في إسطنبول (تنعقد خلال الفترة من 10 إلى 15 إبريل الجاري).

وجاء في تقرير لوكالة فرانس برس أن دول الخليج العربي، التي أغدقت المساعدات على مصر منذ عام 2013، شعرت على نحو متزايد بأنها تعرّضت للخذلان بسبب ما اعتبرته قصور السلطات المصرية في معالجة الفساد المترسخ وضعف الاقتصاد وتقلص الدور المصري على الصعيد الإقليمي. غير أنه في ضوء ما يشهده العراق وسوريا واليمن من حروب أهلية وانشغال السعودية بردع التهديد الإيراني، فإن الرياض عازمة على الحيلولة دون انهيار الدولة المصرية.

لكنّ، وزيرا خارجية الدولتين المصري سامح شكري والسعودي عادل الجبير نفيا أي حديث عن توترات في الآونة الأخيرة في العلاقات ويصران على أنه لا يوجد خلاف بشأن حملة اليمن أو أيّ قضايا أخرى. وقال الجبير في مؤتمر صحافي الثلاثاء “هذه زيارة تاريخية”، أما شكري فقد قال في مقابلة صحافية إنه اندهش للتلميحات إلى أن العلاقات تواجه صعوبات.

بدوره، قال حسين هريدي، مساعد وزير الخارجية المصري سابقا لـ”العرب”، إن العلاقات السعودية المصرية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز أصبحت على العكس “أقوى من أيّ وقت سابق”.

وتوقف هريدي عند الدعم المالي الكبير وارتفاع حجم الاستثمار السعودي في مصر، إلى جانب تطوير التعاون العسكري على مستويات مختلفة، فضلا عن العمل المتواصل على التوصل لصيغة مناسبة لإنشاء القوة العربية المشتركة، وتعزيز التعاون والدخول في مناورات مشتركة.

ووصف مساعد وزير الخارجية المصري الزيارة بأنها ستكون “حجر زاوية لرسم ملامح النظام الإقليمي العربي خلال المرحلة المقبلة، وسط موجة عارمة من المتغيرات الساخنة التي تشهدها بعض دول المنطقة، ما يعزّز الحاجة للوصول إلى اتفاقات مشتركة بعيدة المدى بين البلدين”.

جدول أعمال الزيارة

 

وسط حالة التكتم الشديد التي فرضتها كل من القاهرة والرياض حول جدول أعمال الزيارة وأهدافها، علمت “العرب” من مصادر دبلوماسية أن التفاهم حول تطوير النظام الإقليمي العربي والتطرق لملف الإرهاب في المنطقة سيحتل جزءا من المباحثات.

ورجح مراقبون أن تعزّز الرياض وساطتها للوصول إلى تسوية مرضية بين مصر وتركيا، حيث تسبب التباعد بينهما في انتشار العديد من التخمينات السياسية طوال العام الماضي، حول قدرة الرياض على تجاوز الخلافات بين البلدين، وتدعيم موقفها المناهض للسياسات الإيرانية في المنطقة، بالتنسيق مع دولتين لهما ثقلهما الإقليمي.

ولم يستبعد حسين الشاذلي أن تتطرق القمة إلى ملف الإسلام السياسي، بشقيه المتشدد والمعتدل، لكنه أردف قائلا “لن يكون فقرة أساسية في المباحثات التي من المتوقع أن تركز على تعزيز المشاركة المصرية في الحرب اليمنية، والتي تقتصر، حتى الآن، على القوّات البحرية والجوية فقط”.

وأضاف لـ”العرب” أن القاهرة تقف مع الرياض في ما يخص ضرورة تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، والتفاهم بشأن آليات حجب تدخل طهران في شؤون الكثير من الدول العربية. وأشار إلى أهمية التنسيق المصري السعودي في الحفاظ على استقرار المضايق البحرية، خصوصا باب المندب عند مدخل البحر الأحمر، والذي كانت تستغله إيران في تقديم الدعم لجماعة الحوثيين في اليمن، وتوظيفه ضدّ مصالح السعودية.

ومعروف أنه منذ تدخلت قوات التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن، تمكنت الرياض من وقف نموّ دور طهران، وإغلاق المنافذ الرئيسية التي كانت تتسرب منها وسائل الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن. ولعب الأسطول البحري المصري دورا رئيسيا في سد الكثير من الثغرات بالتنسيق مع السعودية، الأمر الذي مكّن قوات التحالف العربي من تحقيق تقدم نوعي على جبهات متعددة في اليمن.

قال مراقبون لـ”العرب” إن توسيع نطاق التفاهم بين القاهرة والرياض في الوقت الراهن ضرورة استراتيجية عاجلة، ويضفي على دوريهما بعدا إقليميا مطلوبا، تتضاعف أهميته في خضم زيادة وتيرة التطورات والتغيرات في المنطقة، بما يفرض على كلّ منهما المزيد من المرونة لمواجهة الأزمات المتلاحقة، ووقف التداعيات السلبية.

 

تباين في التفاصيل

 

شدّدت المصادر على أن السياسية السعودية تجاه مصر، لن تتغير وربما تشهد تعاونا أكثر، فما يجمع الرياض والقاهرة، إلى جانب العلاقات التاريخية، ملفّات هامة تتعلّق بالأمن القومي لكلا البلدين وبالمنطقة العربية عموما، والتي لا يمكن البتّ فيها بمعزل عن تواصل وتنسيق مصري سعودي؛ وهذا التنسيق يحتاج إلى مصرٍ قوية.

في مختلف الأزمات كانت العلاقة بين القاهرة والرياض محورا مركزيا للسياسة في الشرق الأوسط. وكانت الرياض داعما قويا في ارتقاء السيسي سلّم السلطة عام 2013، غير أنه مع تحول السعودية للتصدي لما تراه خطر سياسة توسعية إيرانية في مختلف أنحاء المنطقة ازدادت مصر انغلاقا على نفسها وركزت على الاضطرابات التي أعقبت انتفاضتها الشعبية والثورة المضادة.

وقال دبلوماسيون غربيون في القاهرة والخليج إن ذلك أدى إلى توتر العلاقات بعض الشيء لكن الرياض قبلت في نهاية الأمر أسباب مصر وبياناتها العلنية أنها ستدافع عن السعودية في مواجهة أيّ تهديد خارجي.

وبيّن دبلوماسي لوكالة فرانس برس “الواقع أنه بسبب الثورة والوضع الاقتصادي الداخلي لم تعد مصر مثلما كانت والسعوديون يقومون بهذا الدور البارز على نحو متزايد. وللسعوديين بعض الخلافات معهم لكنها خلافات بين راشدين متوافقين”.

يدعم هذا الموقف، تصريح مصطفى العاني، المحلل الأمني الذي تربطه صلات وثيقة بوزارة الداخلية في السعودية، والذي نقلت عنه وكالة الأنباء الفرنسية قوله “السعوديون يحرصون على عدم السماح بانهيار مصر. لكن لا يمكنهم في الوقت نفسه أن يواصلوا الدفع إلى الأبد. وأعتقد أن الملك سلمان بن عبدالعزيز سيشرح هذه المسائل”.

ونقلت وكالة فرانس برس عن مصادر بالمخابرات المصرية أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يريد أن تخفف الزيارة من التوترات الأخيرة في العلاقات وجذب المزيد من الاستثمارات السعودية وطمأنة الرياض بشأن دعم القاهرة لموقفها إزاء إيران وبحث إمكانية إبرام صفقات سلاح.

 

التأسيس لعلاقات جديدة

 

على صعيد السياسات الإقليمية العامة، بدت المواقف بين الدولتين شبه متطابقة وتؤكّد أن الهدف الأساسي للدولتين إعادة تأسيس العلاقات في ظل متغيرات جدية على مستوى علاقة العرب بالدول الطموحة في المنطقة.

لكن، المشكلة في نظر بعض الخبراء أنّ تطوّر العلاقات بين القاهرة والرياض، يتحدد سلبا أو إيجابا، حسب موقف كل طرف من ملف الإسلام السياسي، ومدى تقارب وجهات النظر أو اختلافها بشأنه.

استند هؤلاء في ذلك إلى أن الاستراتيجية التي قرّبت البلدين بشكل لافت في عهد الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، كان محورها “المواجهة الاستئصالية لتيار الإسلام السياسي”؛ لكنّ آخرين رأوا أن القمة المرتقبة بين الملك سلمان بن عبدالعزيز والرئيس عبدالفتاح السيسي أكبر من حصرها في ملف حركة إسلامية بعينها (الإخوان مثلا) وأن المباحثات تتطرق أصلا إلى قضايا إقليمية أعمق وأكثر تأثيرا على مستقبل المنطقة. غير أنهم لم يستبعدوا أن تهدف القمة إلى تأكيد تجسير الهوة التي تظهر من حين لآخر بين العاصمتين في هذه المسألة.

وتوقع معتز سلامة، رئيس وحدة دراسات الخليج بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن يتم الإعلان عن مبادرة سعودية مصرية كبيرة تستوعب كل القضايا الخلافية في المنطقة، ما يؤكد أن نقاط الاتفاق بين البلدين لن تتوقف عند التفاصيل المحدودة للقضايا التي تبدو فيها الرؤى غير متقاربة تماما.

وعن احتمال التطرق لوساطة سعودية بين القاهرة وأنقرة قال سلامة لـ”العرب” إن التحدي الأكبر بالنسبة إلى الرياض والقاهرة حاليا مواجهة وتحجيم التواجد الإيراني في المنطقة.

وأضاف أن هذا التواجد ازداد شراسة بعد الاتفاق النووي مع الغرب، وما ترتب عليه من شائعات حول استجابة طهران للضغوط الغربية في الحد من طموحاتها النووية، مقابل توسيع دورها في منطقة الخليج العربي.

وأوضح عبدالرؤوف الريدي أن موقف القاهرة الداعم والمساند للرياض في حربها ضد جماعة الحوثيين، المدعومة بشكل واضح وصريح من إيران، يقود إلى نقطة اتفاق جوهرية، حول وقف عملية التمدد الشيعي، سواء في منطقة الخليج أو في المنطقة العربية بصفة عامة.

وعن الخلاف المصري-التركي قال معتز سلامة إنه لا يحتل أهمية تضاهي القدر نفسه من الاهتمام، في ظل ما أبدته القاهرة من استعداد سابق للتقارب مع أنقرة، في حالة تخليها عن دعم جماعة الإخوان، وما ينجم عنها من سياسات عدائية.

وذهبت بعض التقديرات إلى أن الزيارة قد تمهّد الطريق لردم جزء معتبر من الهوة قبيل انعقاد القمة الإسلامية في تركيا بعد أيام، حيث يحظى الملك سلمان بن عبدالعزيز باحترام كبير لدى كلّ من مصر وتركيا.

وشدّدت مصادر مطلعة لـ”العرب” على أن الدعم السعودي في صورته الاقتصادية دعم استراتيجي، يصعب انقطاعه أو تراجعه بشكل كبير، قبل أن يتماسك الاقتصاد المصري.

وتشجع السعودية شركاتها ومستثمريها، على دخول السوق المصرية بكثافة، لأن هذه المساهمة لها فوائد سياسية وأمنية أيضا؛ وبالتالي لا مجال للحديث عن إمكانية تغيير، سلبي، في العلاقة بين مصر والمملكة العربية السعودية، بل بالعكس من المنتظر أن تتدعّم هذه العلاقة أكثر في ظل التحديات الإقليمية الكبيرة.

 

صحيفة العرب