كشفت تحركات الزعيم الشيعي مقتدى الصدر ومواقفه عن هشاشة تحالف الأحزاب الدينية الحاكمة في العراق، وذلك من خلال سلسلة المظاهرات التي تطالب بإصلاحات جديدة تخرج الحكومة من تحت سيطرة الأحزاب.

وزاد الصدر في إحراج هذه الأحزاب بانسحابه من اجتماع عقدته الكتل الشيعية الأحد في كربلاء. وقال في بيان صحافي له الاثنين إن الاجتماع لا نتائج له، ملوحا بالمزيد من المظاهرات لدعم إصلاحات يقودها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي.

وأعلن زعيم التيار الصدري، في بيان صحافي الاثنين، أن البيان الختامي الصادر عن اجتماع التحالف الوطني لا يمثله، ولم يكن بحضوره ولا بحضور رئيس المجلس الأعلى عمار الحكيم.

وأضاف أن هناك ممن حضروا اجتماع التحالف لم يكونوا على اطلاع بمعاناة الشعب، وقد وضحت لهم ذلك ولكن “لا جواب”، وقيل إن العبادي قدم مشروعا، ولكنني لم أسمع أو أرى شيئا منه، وكنت أول الخارجين من الاجتماع والألم يعتصرني على مستقبل مجهول للعراق.

ومن الواضح أن الصدر يركب موجة الإصلاحات بحثا عن تأكيد دوره في التحالف الوطني من جهة، “تم حجز نائب رئيس المحكمة المقال بهاء الأعرجي بتهمة الفساد –، وإبراز حجمه في الشارع الشيعي لإقناع طهران بالرهان عليه وإعطائه الفرصة لإنقاذ الحكومة المرتبطة بها بدل اللجوء إلى الضغوط عليه ككل مرة من جهة ثانية.

وقال مراقبون إن التطورات السياسية المتسارعة التي يشهدها العراق تؤكد أن الكتل الشيعية التي تسيطر على الحكومة باتت تنظر بطريقة جادة إلى ما يشكله مقتدى الصدر وتياره من خطر على استمرارها في السلطة، بالرغم من أن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وهو زعيم حزب الدعوة ورئيس كتلة دولة القانون في البرلمان قد وصف ما يحدث بالمهزلة، ممتنعا عن حضور الاجتماع الذي عقد في كربلاء.

وحذر النائب عن التحالف الوطني عباس البياتي، الاثنين، من نتائج الخلافات البينية في التحالف الشيعي مؤكدا أن معنى انفراط عقد التحالف “ضياع” رئاسة الوزراء وجعل العملية السياسية “في مهب الريح”، فيما بين أنه يوجد “إصرار” على بقاء التحالف رغم وجود الخلافات فيه.

وكما يبدو فإن التهديد الذي أطلقه الصدر باقتحام المنطقة الخضراء كان أشبه بجرس الإنذار الذي أيقظ أطرافا عديدة لكي تسارع إلى تفادي وقوع ما لا يمكن الخروج منه إلا عن طريق الصدام المسلح بين ميليشيا الحشد الشعبي وصفوف الجماهير التي دعاها الصدر لانتظار انتهاء المهلة التي حددها لرئيس الوزراء حيدر العبادي لإجراء تغيير شامل في حكومته وعدم الاكتفاء بالإصلاح.

وحسب مقربين من مقتدى الصدر فإن ما تم طرحه في اجتماع كربلاء الذي عُقد بناء على رغبة مشتركة بين الحكومة الإيرانية والمرجعية الدينية في النجف لم يكن يرقى إلى مستوى الشروط التي وضعها زعيم التيار لإحداث التغيير المنشود. لذلك فقد غادر الصدر الاجتماع غاضبا، إلا أن وزير الخارجية إبراهيم الجعفري نفى أن يكون الصدر قد ترك الاجتماع، وقال إن السياسة “لا تقبل الفراغ”.

وبالرغم من أن الغموض يسود تحركات أطراف التحالف الشيعي غير أن الثابت أن الكتل الحزبية التي يتألف منها التحالف، باستثناء التيار الصدري لا تحبذ مغادرة نظام المحاصصة الحزبية الذي يشكل العمود الفقري للعملية السياسية في العراق. وهو الأمر الذي يرفضه الصدر.

ولا يستبعد مراقبون أن تمارس إيران ضغوطا على الصدر من أجل إرجاء موعد تظاهرته الحاسمة، الجمعة القادمة، في انتظار أن يبلور العبادي مشروعه في التغيير، وهو المشروع الذي استمع الصدر إلى بنوده من غير أن يقتنع بها مما يجعل المراقبين يشككون في إمكانية أن تنجح الضغوط الإيرانية في منع الصدر من تنفيذ تهديداته.

وما يميل إليه المراقبون هو أن الأزمة الحالية ستشكل بداية لتفكك عرى التحالف الوطني، لا بسبب تعاطف بعض أطراف التحالف مع ما طرحه الصدر من شروط للتغيير، بل لعزوف تلك الأطراف عن الاستمرار في إدارة أزمة ينذر استمرارها باقتلاع الجميع وذلك من خلال ظهور تيارات سياسية جديدة، تكون التظاهرات حاضنتها.

 

 صحيفة العرب