تزوّجت خطيفة لتحافظ على جنينها  

  وقفت أمام المرآة، رفعت سترتها الفضفاضة، حاولت بلع بطنها، اقتربت من المرآة أكثر وضربت بقبضتها عليها. كانت سارة ابنة العشرين عاماً تعلم دائماً أنّ عينيها الواسعتين لا تستطيعان سوى فضح أسرارها.

  السرّ هذه المرة كان ثقيلاً جداً، لا يحتمل البوح، حاولت وضع عدد كبير من السيناريوهات في رأسها عن ردة فعل أمها لو علمت أنها حامل، وقبل أن تنتقل إلى ردة فعل والدها وأخيها طردت الفكرة من رأسها، وقررت أن تذهب مشياً إلى الجامعة.  

لقد قرأت على إحدى المواقع الإلكترونية أنّ المشي الكثير يتسبّب بالإجهاض. بعد دوام الجامعة خرجت لترى والد جنينها بانتظارها، أخبرته عن نيّتها بالإجهاض وبأنها ستشرب الكثير من أكواب القرفة وستضاعف ساعات المشي حتى ينزل الجنين، لكنه رفض.   بدأت سارة تلطم وجهها وتبكي. طلب منها أن تهدأ وأخبرها أن أمه وافقت على إعطائه مفتاح المنزل في القرية البعيدة حيث سيأخذها إلى هناك لتضع جنينها بسلام، وبأنه سيأتي ووالده إلى المنزل ليطلبا يدها. ابتسمت سارة ابتسامة مرتبكة، ومسحت دموعها بحذر.  

لم يخطئ حدسها، رفض والدها الشاب بسبب صغر سنه، وتحجّج بأنّه يريدها متابعة تعليمها. في اليوم الثاني اتصل بها صديقها ليخبرها بأن تحضر شنطة ملابس صغيرة، لـ "يهربوا ويتزوّجوا خطيفة".   "لم أكن أريد الإجهاض، في الحقيقة كنت خائفة من أن تبلعني القيم البالية، ولكنّني قررت المواجهة". حاول أهل الشاب تصحيح الموقف من دون نتيجة. رفض والدها مصالحتها، ومنع إخوتها وأمها من مكالمتها: "أنا ما عندي بنت اسمها سارة. ماتت".   بعد سبعة أشهر ونصف وضعت سارة مولودها الأول، وما إن استيقظت من البنج حتى رأت والدتها تُمسك بيدها. بقيت زيارات أمها سرّية. أما والدها فرضي بالأمر الواقع بعد سنة، ليبكي كثيراً عندما دخلت سارة بجسمها الضئيل وعينيها الواسعتين باب المنزل وهي تحمل ابنها. عانق الطفل ولم يكلّمها، بل قضى ساعات طويلة يلعب معه، ويقول له: "سامحني يا جدّو. أنا بحبك".

  "أهل زوجي ذلّوني بطفلي"  

لم يلزم رنا ابنة التسعة عشر عاماً سوى أسبوع واحد لتخبر أهلها عن رغبتها بالزواج. نظّموا عرساً بسيطاً حضره الأقارب فقط.   انتقلت بعدها من منزل والديها إلى منزل أهل زوجها، الذين أعلنوا أمام الجميع أن سبب استعجالهم هو مرض الوالد ورغبته بحضور عرس ابنه الوحيد.   طبعاً ما كانت هذه إلا حجة اخترعت لتواجه بها رنا التساؤلات حول هذا الزواج السريع.

ولكن الحقيقة أنّها كانت حامل، ورفضت الإجهاض لعدم قدرتها على تحمل نفقاته أولاً، وثانياً لضعف قلبها أمام ساكن أحشائها الجديد، فذهبت إلى أهل والد طفلها الذين قرروا مساعدتها على "لفلفة" القصة والتسريع في كتب الكتاب والزواج.   من يومها قررت رنا مواجهة الحياة، وتحمل عواقب قرارها. لم تعامَل المعاملة التي تستحقها بل وضعها زوجها في قفص الاتهام، بعد أن تولّد عنده شعور الشك الذكوري واتهمها بأنّها تستطيع إقامة علاقات جنسية خارج الأطر الاجتماعية مع آخرين، كما أقامتها معه. أما أهله فبدأوا بتوبيخها أيضاً، وبالقول إنّ عليها البقاء ممتنة لهم طوال حياتها. تقول: "كانوا يحاولون إذلالي في أي فرصة".

  حتى بعد أن أفشت بالسر لأهلها، لأنّها لم تعد تطيق الابتزاز الذي تتعرّض له، أشعروها بأنها ارتكبت جريمة، وبأنها جلبت لهم العار. لكنّها لم تهتم وقرّرت طلب الطلاق، وتابعت دراستها الجامعية لتتخرّج وتعمل في وظيفة جيدة.   رنا التي واجهت المجتمع وحيدة تعرّضت للضرب والإهانات، وحُرمت بعد طلاقها من ابنها، فهي لا تستطيع أن تراه سوى مرة واحدة أسبوعياً.

رغم معاناتها إلّا أنها سعيدة بطفلها: "بعتبر أن وجود ابني وضحكته هلأ أهم شي بالدني".  

أحلام وردية تحوّلت ندوباً  

هرباً من قيود أهلها، قبلت سناء ابنة السبعة عشر عاماً بشاب تقدّم لها، ووافقت على الخطوبة. لم تشعر بالراحة في الأشهر الأولى، حاولت الهرب من هذه الخطوة الجديّة التي فُرضت عليها، لكنّ عائلتها رفضت أن تترك خطيبها، لأن هذا القرار سيسيء إلى سمعتها، حسب قولها.

  رغم ذلك، ظلّت سناء على اعتقاد بأنّ خطبتها ستفسخ عاجلاً أم أجلاً. لكن، وبعد فترة قصيرة اتصلت بخطيبها وأخبرته بأن عليهما الزواج في أسرع وقت ممكن فهي حامل.

  أمام ذهول عائلتها، زُفَت عروساً إلى بيتها الزوجي وفي أحشائها طفلٌ سيأتي على عجل.

نجحت في إخفاء حملها، وأقنعت الجميع أنّها وضعت مولودها في الشهر السابع. تقول: "صاروا يقولوا رح تعقل وتهدا، تزوّجت وصار عندها ولد".   حُرمت من متابعة تعليمها الجامعي بسبب رفض زوجها. راقبت سناء أحلامها تطير من نافذة بيتها، راقبتها تدمّر مع كل ضربة كانت تتلقاها، وكل ندبة كانت تخلفها عصا زوجها على جسدها، كقصاص لها لإقامتها علاقة "غير شرعية" معه. وفي الوقت نفسه كانت تتجنب إخبار أهلها خوفاً من ردّة فعلهم. "وين بدّي روح إذا طلقت، ما عندي شهادة اشتغل، وأكيد رح ياخدوا ابني مني".

  لا مكان لتذهب سناء إليه في حال طلبت الطلاق، لا تملك مستقبلاً مهنياً، ولا شهادة تخوّلها أن تعمل بوظيفة محترمة. فضلت البقاء، فضلت الصمت، أن تعضّ على جرحها، وأن تبتلع صوتها عندما تُضرب كي لا يعرف طفلها.   في إحدى المرات حاول قتلها. ركضت والدم يسيل من رأسها لتقفل باب الغرفة على ابنها الذي يجهل ما يدور حوله. اصطحبها زوجها لاحقاً إلى المستشفى بعد أن نزف رأسها مدة ساعة. وهناك ادّعت بأنّ المزهرية وقعت على رأسها وانكسرت. لكن ما وقع على رأس سناء في الحقيقة كان أكبر بكثير من مزهرية. وقع على رأسها أطنان من العادات والتقاليد التي منعتها من متابعة حياتها بطريقة لائقة.

لبنان 24