لم يتّفق الروس والإيرانيون على اتفاق ميونيخ. زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغر الى طهران واجتماعه بالرئيس حسن روحاني ووزير الدفاع حسين دهقان انتهت بفشل غير معلن لكن واضح. لم تكلل الزيارة الروسية بلقاء المرشد آية الله علي خامنئي لتثبيت أي اتفاق. ما يؤكد الفشل أن عبد الأمير اللهيان نائب وزير الخارجية سارع للاتصال بمبعوث الرئيس الروسي الى الشرق الأوسط غيلادي بوغدانوف تحضيراً للقاء سريع بينهما في موسكو.

يمكن تبرير الفشل الدبلوماسي، بتراجع تنفيذ صفقة السلاح، حيث كان يجب على موسكو تسليم صفقة صواريخ اس300 ومن ثمَّ الاتفاق على الصواريخ الأكثر تطوراً إس400 الى جانب مقاتلات سوخوي30، لكن ذلك لا يكفي، لأنه يوجد الملح والأكثر إلحاحاً رغم التداخل بينهما. طهران ليست مستعجلة في هذه المرحلة على الحل، لأنها تعتقد أن الأسد يتقدم وقواتهما المشتركة مع الميليشيات تتقدم، والأسد يقوى ويمكن أن يبقى دورة رئاسية أخرى و«يخلق الله ما لا تعلمون». هيبتها ليست في الميزان إذا حسبت خسائرها، لأن كل من يقتل من جنرالاتها وضباطها وميليشياتها اللبنانية والأفغانية والعراقية والباكستانية «شهيد»، في حين أن موسكو التي كانت ترى في مشاركتها مشاركة محدودة تستمر مئة يوم تنزلق يومياً أكثر فأكثر، ولا تبدو فترة الأشهر الستة الماضية سوى مقدمة للزمن السيئ الآتي. هيبة «القيصر» في المواجهة، خصوصاً أن الرئيس باراك أوباما جعل من عدم بنائه استراتيجية واضحة لسياسته في الشرق الأوسط استراتيجية تقوم على «ليتقاتلوا، دعهم يتقاتلوا. شارك في عدّ خسائرهم وأنت الرابح».

في قلب الخلاف الروسي الإيراني، مستقبل الأسد في الحل. موسكو ليس لديها مشكلة في إبعاد الأسد في الحل النهائي. وهي تتصرف معه كأنه «بيدق« عندها. لم تتأخر موسكو عن تأنيبه عدة مرات، مذكّرة إياه بأنه ليس هو الذي يقرر متى يبقى ومتى يرحل. إيران تتصرف «ويداها مقيدتان» الى مستقبلها في المنطقة. موسكو تعمل وهي تفكر وتحسب لموقعها ودورها الى جانب الولايات المتحدة الأميركية في العالم. إيران تملك الوقت لأنها طرف وشريك في أربع دوائر نارية في المنطقة، كل دائرة منها جزء من الأخرى يمكنها التفاوض عليها في «سلة» واحدة بالجملة أو بالتجزئة. حجة طهران لتأجيل التفاهم مع موسكو اليوم ومع الأميركيين غداً ما قاله الرئيس حسن روحاني: «لا يمكن تسوية الأزمة السورية ولا يمكن تسويتها إلا من خلال المفاوضات السياسية واحترام حقوق الشعب السوري صاحب القرار الرئيسي والنهائي في كل ما يتعلق بمستقبل بلاده». لا شك أن هذه «الشجرة« تغطي «غابة» التدخل العسكري الإيراني الذي ينزع عن عمد وسابق تصور وتصميم كل حقوق الشعب السوري في اختيار مستقبله.

«اتفاق ميونيخ« لوقف إطلاق النار في سوريا، فشل حتى الآن وسيفشل في مرحلة لاحقة لأنه «بطّة سياسية عرجاء». من الأساس أي حل في سوريا، سواء وُقّع عليه اليوم أو بعد عقد من الزمن، لا يمكن تنفيذه إلا اذا قام على مشاركة جماعية لكل الأطراف المنخرطة في «حمام الدم» السوري. لا يكفي أن تتفق واشنطن وموسكو ولو على مبادئ الحل فكيف بشروطه وأهدافه، حتى يصبح قراراً لا خيار لأحد حق رفضه أو محاربته. لا يمكن أن تُضم دولة أو أكثر إقليمية ويتم تجاهل أخرى. لا يمكن ضم إيران وتجاهل تركيا. ولا تركيا وإيران مجتمعتين وتجاهل السعودية، الطرف العربي المعني بسوريا والعالم العربي انطلاقاً من موقعه ومكانته ودوره. أيضاً لا يمكن قبول قوى سورية ورفض أخرى، ما زالت تحارب وتدفع ضريبة الدم دون تراجع رغم كل الضربات الجوية والبرية التدميرية.

لا يعني هذا وبالتأكيد «داعش» و»النصرة» الى الحل، مثلما لا يعني ذلك مطلقاً أن تتحول الحرب الى القضاء على القوى المعارضة المسلحة والمدنية، وحصر الحرب في محاربة الإرهاب حماية لنظام بشار الأسد، الذي تخلى عن السيادة السورية لمصلحة إيران أولاً وروسيا ثانياً، ويتعهد الآن بأنه «سينقذ سوريا من الدمار»، وكأنها بقي منها مدينة أو قرية غير دمشق الصغيرة لم تدمَّر. لقد تحول «داعش« بعد أربع سنوات من الحرب، لأنه لم يكن موجوداً في السنة الأولى حكماً، الى ذريعة ووسيلة للتدخل الروسي بعد صدور قرار مجلس الأمن، والإيراني منذ البداية بعيداً عن «داعش»، لأن سوريا كانت وما زالت معركة «المربع الأخير» لمشروع المرشد آية الله علي خامنئي في توسيع حدود إيران وصولاً الى «إيران الكبرى«، أو كما يقول قادة «الحرس الثوري» اليوم، «ان مشاركة إيران في حروب سوريا والعراق واليمن، هي للدفاع عن الحدود الايديولوجية للثورة». تماماً كما كان الزعيم الكوبي كاسترو يقول وهو يرسل جنوده الى أنغولا وغيرها من البؤر المشتعلة في العالم. وكانت النتيجة ما تعيشه كوبا اليوم، التحضير للزيارة التاريخية للرئيس باراك أوباما، الى هافانا.

رغم أن الحرب في سوريا، بدأت تخيف الجميع، لأن المجهول فيها أكبر بكثير، من المعلوم على الصعيدين الميداني والمستقبلي، فلا شيء يؤشر الى نهايتها قريباً. الحرب خدمت حتى الآن مصالح معظم المشاركين فيها. أكثر الدول المستفيدة منها إسرائيل، وهي الآن تخشى مفاعيل بقاء الأسد وتحالفه مع إيران وحزب الله.

رغم ذلك فلا شيء يؤشر الى أن «قطار» الحل سينطلق فعلاً قبل انتخاب رئيس أميركي جديد، إذ لا أحد يوقّع مع رئيس انتهت ولايته على اتفاق استراتيجي. لذلك العدّ العكسي ليس قبل ربيع 2017.