في عددٍ واحد، من جريدة لبنانيّة واحدة، بل في صفحة واحدة منها، نُشِر هذان "الخبران" بهذين العنوانين:


"غاز لبنان مقابل توطين الفلسطينيّين"، 
و"ضغوط أوروبيّة على لبنان لدمج النازحين السوريّين"

وطبعاً صيغ "الخبر" الأوّل في قالبٍ مألوف من تجريم التوطين ومنظّمة "أونروا" لغوث اللاجئين، من دون أن تغيب الحماسة لـ"عودة" الفلسطينيّين إلى فلسطين. وبالمعنى ذاته تقريباً صبّ "الخبر" الثاني جام غضبه على الأوروبيّين، لا سيّما منهم الإنكليز الذين هم أيضاً يحولون دون عودة النازحين السوريّين إلى بلدهم.

لكنّ الخطابة المعادية لـ"الإمبرياليّة" على تعدّد أسمائها ليست ما يرسخ في عقل القارئ اللبنانيّ ووجدانه. ما يرسخ هو الشعور بالخوف واستنفار الغرائز ضدّ غريب، سوريّ مرّةً فلسطينيّ مرّة أخرى، غريبٍ سوف يجعل اللبنانيّين أقلّيّة محاصرة في بلدها وفي لقمة رزقها. فحتّى لو صدّق القارئ أنّ "الأونروا" والبريطانيّين وسواهم من الغربيّين، وفوقهم إسرائيل، هم مَن يرعى "المؤامرة"، بقي أنّ السوريّين والفلسطينيّين هم الذين سيكونون، شاؤوا أم أبوا، من سيتوطّن في لبنان بفعل تلك "المؤامرة" الخبيثة التي سيدفع اللبنانيّون ثمنها الباهظ.

وبغضّ النظر عن نوايا أصحاب "الخبرين"، فهذه الطريقة في المعالجة لن تمنح المشاعر العنصريّة إلاّ مزيداً من الأسلحة في مواجهة "العدوّ" المنظور والمباشر، أي "السوريّ" و"الفلسطينيّ".

وإذا وضعنا جانباً خطابة العداء للاستعمار والامبرياليّة والصهيونيّة، وهم أطراف بعيدة لا تطالهم اليد، فضلاً عن أنّ كراهيّتهم الشعبيّة أقرب إلى التحصيل الحاصل، يبقى أنّ الذهاب بعيداً في هذه اللغة محكوم باعتبارات محلّيّة محضة، وأهمّ تلك الاعتبارات إحكام الحصار على الطرف الطائفيّ الذي يُفترض أنّه الشريك المذهبيّ للسوريّين والفلسطينيّين وإحراجه.

هنا تنحني اللغة الإيديولوجيّة، اشتراكيّةً كانت أم عروبيّة أم إسلاميّة، أمام جلال الانقسام الطائفيّ الطاغي، والذي لا يجد ضيراً في تحريك العنصريّة وتثميرها بطرق مداورة وأدوات مبطّنة.

هكذا نجدنا أمام تكرار جديد، ولو على نطاق مصغّر، للّعبة الكاذبة القديمة من استخدام المعاني السامية، أو التي يُفترض أنّها كذلك، لإحداث تعبئة طائفيّة، أو إضعاف خصم طائفيّ، من دون الاكتراث بآثار ذلك على البشر المعنيّين من أبناء البلد أو من "الأخوة" العرب. 

 

 

المصدر: ناو

وبالعودة إلى التاريخ اللبنانيّ الحديث، كان الطرف الذي يشغل مقعد العداء اللفظيّ للغرب وإسرائيل هو دائماً الطرف الذي ينحصر همّه الفعليّ في إضعاف طائفة أو جماعة أخرى، مع ما يرافق ذلك من توتير الأجواء الطائفيّة وتسخينها. وليس من الافتراء القول إنّ حزب الله هو اليوم التتويج والعصارة لهذا النهج الذي بدأ قبله بزمن طويل.