ربما يجدر بجهة ما، توجيه نصيحة إلى وزير الخارجية الأميركي جون كيري بالتخفف من عبء الأسفار المتلاحقة وهموم الإعداد للمفاوضات بين نظام بشار الأسد والمعارضة السورية.

 

 

ذلك أن ما يُنشر ويتسرب عن مضمون لقاءاته في المنطقة يقول إن كيري قرر تعيين نفسه مساعداً لنظيره الروسي سيرغي لافروف، في ظل الانكشاف الشديد لغياب أي استراتيجية أميركية في سورية باستثناء الحرب على الإرهاب التي يبدو أن واشنطن لا تمانع في ضم الأسد إليها. فيبرز السؤال عن الجدوى من كل هذه الرحلات واللقاءات ما دامت لا تشكل غير صدى للموقف الروسي من الحرب في سورية.

 

 

وإذا أُزيحت مسألة الحرب على الإرهاب «الداعشي»، يعسر الحديث عن رؤية أميركية للحل السياسي بعد خمسة أعوام من الحرب التي شنها النظام على الشعب والمجتمع السوريين. لا قيمة هنا لـ «فضح» ازدواج المعايير الأميركية ولا للحديث عن التخلي عن الثورة السورية ولا لتوصيف التراجع الأميركي منذ جنيف -1 إلى اليوم. الشرق الأوسط لم يعد يعني الشيء الكثير للولايات المتحدة مع بداية نهاية عصر النفط واختفاء أي تهديد جدي لوجود وأمن إسرائيل.

 

 

بهذا المعنى، لا مصلحة أميركية في استمرار أو في نهاية النزيف السوري، حيث يتساوى الخياران ما داما لا يولدان تهديداً صريحاً ومباشراً يشكله الإرهاب. ينخفض تبعاً لذلك الاهتمام الأميركي إلى الحد الأدنى حيث يسود اعتقاد أن أية تهدئة أو حتى وقف طويل لإطلاق النار على جبهات القتال مع النظام، ستفضي إلى تعزيز الجهود وتضافرها للقضاء على «داعش».

 

 

بقاء الأسد أو رحيله، الحكومة الانتقالية أو التشاركية، وقف القصف المتعمد من طائرات روسيا والأسد، فك الحصار عن المناطق التي تتعرض إلى عملية إفناء منهجية، سحب القوات الأجنبية أو بقاؤها، إنهاء حالات التطهير الطائفي وتغيير الطبيعة السكانية، مسائل لا تثير انتباهاً يُذكر في واشنطن التي لا ترى إلا «داعش» وخطرها، متابعة (هذه الإدارة) الرؤية الوحيدة الجانب لإدارات سابقة.

 

 

قد يدفع هذا الإصرار الأميركي على تجاهل النكبة السورية وتركيز الاهتمام، في المقابل، على الإرهاب، إلى ظهور آراء عدمية تعتبر أن تنظيم «داعش» هو ما يستحقه هذا العالم المنافق الذي تخلى عن مسؤولياته السياسية والأخلاقية حيال الشعب السوري. بيد أن أصواتاً كهذه لا تفيد سوى في تعميق نكبة السوريين وتفاقم التجاهل العالمي لمطالبهم المحقة بالكرامة والحرية.

 

 

وإذا بدا من السذاجة الاستمرار في هجاء إدارة باراك أوباما بعد خمسة أعوام من الثورات العربية التي لم تلتزم واشنطن حيالها بأي أمر ملموس، فإن الاعتقاد أن بقدرة جولة مفاوضات واحدة في جنيف على حسم الموقف لمصلحة النظام أو المعارضة ينطوي على سذاجة أكبر. ما سيجري في المفاوضات المقبلة لن يزيد عن تظهير موازين القوى وإعادة صوغ المشهد السياسي بعد التدخل الروسي الكثيف وتراجع إيران عن أداء دور الراعي الأول لبشار الأسد لمصلحة موسكو.

 

 

عليه، تكتسي السجالات في شأن تشكيل الوفد المعارض وإملاءات لافروف وكيري والمبعوث دي ميستورا سمة غير واقعية ما دام الجميع متفقاً على فشل المفاوضات من قبل أن تبدأ. هي جولة لتكريس الدخول الروسي الثقيل من دون أي أفق لتسوية التناقضات التي أدت إلى انفجار الثورة السورية في المقام الأول.