قبل يومين من البداية المزمعة غداً لمحادثات جنيف بين النظام والمعارضة السورييْن، وفي خضم شد الحبال المحتدم والضغوط الهائلة لتحديد أحقية تمثيل المعارضة وتشكيل وفدها وأولويات التفاوض وأهدافه، أعلنت إسرائيل في شكل غير مسبوق انضمامها إلى الحلف الروسي- الإيراني الذي يتولى حماية بشار الأسد، وشنت هجوماً حاداً على تركيا التي تقاوم، لأسبابها الخاصة بالطبع، جهوداً روسية وأميركية لضم أصدقاء الأسد الأكراد وسواهم إلى وفد المعارضة.

 

 

شكلت إسرائيل منذ بداية الانتفاضة الشعبية قبل خمس سنوات «الحارس السري» لنظام دمشق، ودخلت لذلك في حسابات كل الدول والأطراف المنخرطة في النزاع السوري، لكنها لم تجاهر من قبل بتحالفها المباشر مع المدافعين الآخرين عنه، وبينهم «الحرس الثوري»، مثلما فعل وزير دفاعها موشي يعالون باتهامه تركيا بتمويل «داعش» في مقابل الحصول على نفط سوري رخيص، وبتسهيل عبور المتشددين من أوروبا إلى سورية والعراق وبالعكس، في تبنٍّ صريح لاتهامات موسكو وطهران.

 

 

لم يعبأ الوزير الإسرائيلي بمحاولات أنقرة المستجدة لرأب الصدع بين الدولتين وإقرار أردوغان بـ «حاجة تركيا إلى إسرائيل»، ورغبته في تقليص جبهة «الأعداء» التي باتت تقودها موسكو، فالمصالح الكبرى المباشرة للدولة العبرية، وخصوصا الأمنية، تفوق أهمية بكثير ما يمكن أن تقدمه تركيا في هذا المجال.

 

 

فالأتراك يركزون علاقتهم الفلسطينية بقطاع غزة المحاصر بلا حول، والذي لا يقلق إسرائيل كثيراً. وجُل ما يستطيعون القيام به دفع «حماس» و «الجهاد» الى مزيد من «الاعتدال» لوقف «الصاروخ الشهري» الذي يطلق من القطاع تذكيراً بوجوده. أما نظام الأسد، فمنح إسرائيل على مدى أكثر من أربعة عقود يداً طولى على الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين أنفسهم، وسالمها في الجولان، وأكمل مهمتها في «تطهير» لبنان من منظمة التحرير، ثم ضمن لها البديل «الحزب إلهي» على حدود هذا البلد، لا يتحرك إلا بإيعاز منه وبالتنسيق معه، بما في ذلك «اضطراره» إلى افتعال حرب تموز (يوليو) 2006 لرد الاعتبار إليه بعد خروج جيشه من لبنان.

 

 

ومن الواضح أن توقيت تصريح يعالون يتزامن مع بدء تطبيق الاتفاق النووي بين طهران والأميركيين وتوابعهم الأوروبيين، ورفع العقوبات وما يعد به من عقود وصفقات ليست إسرائيل وشركاتها المتعددة الجنسية بعيدة منها، بعدما أقلقت العالم طوال أكثر من عشر سنوات وهي ترغي وتزبد وتحذر من «التهديد الإيراني»، فيما هي عملياً تبرر لطهران تدخلاتها في العالم العربي تحت ستار «المعركة مع الشيطان الأصغر».

 

 

كانت الولايات المتحدة تدرك منذ بداية الثورة السورية أهمية نظام الأسد في المعادلة الأمنية الإسرائيلية التي ساهمت في صياغتها، وعندما كانت تعلن أنه فقد شرعيته وتدعو إلى رحيله لم تكن تهدد الإسرائيليين بل كانت تتفاوض مع إيران. ومن بين كل «الخطوط الحمر» التي رسمت في المنطقة، بدا أن «الخط الإسرائيلي» في الدفاع عن حاكم دمشق الخدوم هو الوحيد الذي يلتزمه الأطراف جميعاً ويحرصون عليه.

 

 

أما تركيا، فليست في وضع يسمح لها اليوم بفرض شروطها، باستثناء -ربما- «تجميل» المشاركة الكردية في محادثات جنيف، بعدما أوكلت واشنطن أمر التسوية في سورية الى موسكو وبات دورها يقتصر على نقل «رسائل» الروس إلى حلفائها.